ياسر محمد محمود البشر يكتب…حبــل اللجــان!!
*فى عمق مجتمعاتنا المحلية تطفو على السطح ظواهر اجتماعية تُلبس ثوب الدين والصلح لكنها فى جوهرها لا تتعدى كونها تجاوزاً صارخاً للحدود الشرعية والقيم الإنسانية ومن أبرز هذه الظواهر ما يُعرف بـ (حبل اللجان) وهو اصطلاح يُطلق على محاولات الصلح الارتجالية التي تتم بين الأزواج بعد وقوع الطلقة الثالثة الطلقة التى جعلها التشريع الإسلامى حداً فاصلاً لا رجعة بعده إلا بضوابط شرعية غليظة ومحكمة تستمد هذه الظاهرة اسمها (حبل اللجان) من تلك المجموعات التى تصدّت لملف العلاقات الزوجية المعقدة دون أهلية إذ يتولى كِبر هذه العمليات أنصافُ الفقهاء وأشباه المتدينين الذين يمتلكون من الجرأة على الفتوى ما لا يمتلكه كبار العلماء فيجتمع هؤلاء فى لجانٍ عشوائية تُشكل بارتجال تام مدفوعين بشهوة الوجاهة الاجتماعية والظهور بمظهر المصلحين متناسين أن الهدم والبناء فى آيات الله ليس محلاً للاجتهادات الشخصية العابرة*.
*إن الملمح الأبرز لهذه اللجان العشوائية هو ضربها بالشرع الحنيف عرض الحائط فالطلاق الثالث يمثل انفصاماً تاماً لعقد النكاح والتحايل عليه تحت مسميات الإصلاح أو ستر البيوت هو فى الحقيقة تشريع للهوى وتجاوز للأحكام القطعية هذا القفز فوق النصوص الدينية لا يعكس جهلاً بالدين فحسب بل يعكس استخفافاً بحدود الله التى أمرنا ألا نعتديها وتحويل القضية من حكم إلهى توقيفي إلى صفقة اجتماعية تُطبخ بليل وما يثير الحنق في مسار هذه المصالحات الالتفافية هو التجاهل التام والمُتعمّد للأضرار النفسية والجسدية والمادية التى لحقت بالآخرين أثناء فترة النزاع الشقاقى تُطوى صفحات المعاناة وتُمسح دموع الضحايا بعبارات فضفاضة دون إلزام الطرف المتسبب بالتعويض أو إظهار الندم الحقيقى وكأن الهدف هو إعادة إنتاج أزمة جديدة تحت سقف واحد عوضاً عن معالجة جذور المشكلة وإنصاف المظلوم*.
*ولا تتوقف معضلة حبل اللجان عند حدود الجهل والتجاوز الشرعى بل تمتد إلى مستنقع المصالح الذاتية فحين تفتش فى كواليس بعض أعضاء هذه اللجان تجد أن هناك من يبحث عن مآرب شخصية ضيقة قبل الوصول إلى نقطة الاتفاق تتنوع هذه المصالح بين المكاسب المادية أو تعزيز النفوذ الإجتماعى أو تصفية حسابات قديمة ليصبح حبل الصلح وسيلة للتربح المعنوى والمادى على حساب كرامة ومستقبل الأسرة المفككة ومن الأساليب الخبيثة التي تعتمدها هذه اللجان لضمان تمرير صفقاتها هو نقل جلسات الصلح وإبرامها خارج منطقة النزاع الجغرافية والاجتماعية هذا التكتيك المدروس يهدف بالدرجة الأولى إلى تغييب العالمين ببواطن الأمور من عقلاء المنطقة وجيرانها الذين يعرفون حقيقة الخلاف وحجم المظالم إن عزل القضية عن محيطها الطبيعى يتيح للجنة رسم رواية مشوهة ومضللة تخدم هدفها النهائى فى إتمام الصلح الشكلى بأي ثمن*.
*وفى سبيل إغلاق الملف بأسرع وقت ممكن يبرع مهندسو هذه اللجان فى توزيع الوعود البيضاء على أطراف النزاع وهى وعود براقة فى ظاهرها لكنها فارغة من أى آليات للتنفيذ أو ضمانات حقيقية في باطنها إنها باختصار تجسيد للمقولة التاريخية وعود من لا يملك لمن لا يستحق حيث يَعِدُ عضو اللجنة الزوجة بحقوق لا يملك سلطة إلزام الزوج بها ويَعِدُ الزوج بإنهاء الخلافات دون تغيير حقيقى فى سلوكه إن هذه المصالحات الهشة القائمة على حبل اللجان لا تنتج بيوتاً مستقرة بل تقيم جدراناً آيلة للسقوط في أي لحظة فالصلح الذى يبدأ بمخالفة الشرع ويمر عبر نفق المصالح الشخصية وينتهى بوعود كاذبة وتغييب للحقائق هو قنبلة موقوتة تُهدد النسيج الاجتماعي وتُشرعن الفوضى داخل مؤسسة الزواج المقدسة فضلاً عن كونه استنزافاً لكرامة المرأة التة تجد نفسها مجبرة على العودة لبيئة طاردة*.
نــــــــــــــــص شــــــــــــوكة
*إن مواجهة ظاهرة حبل اللجان تقع على عاتق المؤسسات الدينية الرسمية والقانونية والمجتمعية عبر التوعية الصارمة بمخاطر هذه الممارسات يجب إفهام المجتمع أن البيوت لا تُبنى على جهل أنصاف المتدينين وأن حدود الله ليست ساحة للمجاملات الاجتماعية إن كسر هذا الحبل الوهمى هو الخطوة الأولى نحو حماية الأسر من العبث وإعادة الهيبة للأحكام الشرعية التى جُعلت لحفظ الأعراض وسلامة المجتمعات*.
ربـــــــــــــــع شــــــــــــوكة
*(لصيق الطين فى الكرعين ولا بيبقى نعلين)*.
yassir. mahmoud71@gmail.com



