مقالات الظهيرة

ياسر ابو ريدة يكتب… التحالفات المسلحة وإعادة تشكيل القوة في السودان!!

في تطورٍ يثير كثيراً من الأسئلة، جاء انضمام قوات “نسور الشرق” إلى حركة العدل والمساواة السودانية، ثم لحاق قوات الحركة الشعبية لتحرير السودان منصة التأسيس بذات المسار، ليضع المشهد السوداني أمام منعطف بالغ الحساسية، يتجاوز حدود التحالفات العسكرية المؤقتة إلى تساؤلات تتعلق بمستقبل الدولة نفسها.

فما الذي يحدث بالضبط؟

وهل أصبحت الحركات المسلحة اليوم هي المظلة الأكثر جذباً للقوات والتشكيلات العسكرية؟

وهل تحوّل الانضمام إليها إلى بديل عملي عن الاندماج داخل القوات المسلحة السودانية؟

هذه الأسئلة ليست ترفاً سياسياً، بل قضية تمس جوهر فكرة الدولة وهيبتها ووحدة قرارها العسكري.

قبل عدة شهور، تحدث العميد الصوارمي خالد سعد بلغة الخبير العارف بخفايا المؤسسة العسكرية، محذراً بصورة غير مباشرة من أن خروج بعض القوات التي سلّمت نفسها للجيش لاحقاً إلى أطر وتحالفات خارج المؤسسة العسكرية القومية، يفتح أبواباً معقدة قد يصعب إغلاقها مستقبلاً. يومها ربما مرّ الحديث على البعض مروراً عادياً، لكن الوقائع اليوم تعيد إنتاج ذلك التحذير بصورة أكثر وضوحاً وخطورة.

فالدولة التي تتكاثر داخلها الجيوش، مهما كانت المبررات، تدخل تدريجياً في منطقة رمادية يصبح فيها السلاح موزعاً بين الولاءات، لا بين المؤسسات.

المشهد الحالي لا يتعلق فقط بتحالفات حرب فرضتها الضرورة، بل يكشف عن خلل عميق في مفهوم الدمج الوطني. فالأصل في أي قوة تحمل السلاح داخل الدولة أن تسعى للانضمام إلى المؤسسة العسكرية القومية، لا إلى تنظيمات مسلحة أخرى مهما كانت تحالفاتها أو شعاراتها

لأن الجيش في نهاية الأمر ليس مجرد قوة قتالية، بل هو رمز السيادة ووحدة البلاد، بينما تظل الحركات المسلحة ــ مهما حاولت التوسع ــ كيانات ذات طبيعة سياسية أو جهوية أو مرحلية.

الأخطر في الأمر أن استمرار هذا المسار قد يخلق مستقبلاً واقعاً مشوهاً تتعدد فيه مراكز القرار العسكري، وتتقاطع فيه المصالح والتحالفات، فتتحول البلاد إلى ساحة نفوذ مسلح أكثر منها دولة ذات جيش موحد.

ولذلك فإن القضية اليوم ليست مع أو ضد هذه الحركة أو تلك، وإنما مع سؤال أكبر

إلى أين يمضي السودان عسكرياً؟

هل نحو دولة تستعيد مؤسساتها القومية الجامعة؟

أم نحو واقع تُدار فيه القوة عبر التحالفات والرايات المتعددة؟

التاريخ يعلمنا أن الأوطان لا تستقر إلا تحت مظلة جيش واحد، وعقيدة وطنية واحدة، وقرار سيادي واحد.

أما تعدد البنادق، مهما اتفقت مرحلياً، فإنه يبقى مشروع أزمة مؤجلة.

ولهذا فإن أخطر ما يمكن أن يحدث ليس انضمام قوة إلى حركة، وإنما أن يفقد الناس تدريجياً الإيمان بأن القوات المسلحة هي الحاضنة الطبيعية والنهائية لكل من يحمل السلاح دفاعاً عن الوطن

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى