ياسر أبوريدة يكتب… عندما ينتصر صوت الدولة على الفتنة!!
في اللحظات التي تتغلب فيها المصالح الضيقة على حقوق الناس، يصبح الاحتكام إلى القانون هو الامتحان الحقيقي لهيبة الدولة ومصداقية مؤسساتها. وما شهدته محلية أم القرى خلال الأيام الماضية من أزمة حول المشاريع الزراعية المطرية لم يكن مجرد خلاف على أراضٍ أو كشوفات، بل كان اختباراً بالغ الحساسية لقدرة الدولة على حماية الحقوق وصيانة السلم المجتمعي.
لقد عبّر المزارعون المتضررون عن رفضهم لما رأوه تجاوزاً في إجراءات توزيع واستحقاق الأراضي، وسط مخاوف متزايدة من ضياع حقوق ظلوا يتمسكون بها لعقود. ومع تصاعد الاحتقان، أصبحت المنطقة تقف على حافة فتنة كان يمكن أن تدفع الجميع ثمنها، لولا حكمة القيادات الأهلية وسرعة تدخل حكومة ولاية الجزيرة ولجنة أمن الولاية.
إن قرار تجميد جميع الإجراءات المتعلقة بالمشاريع الزراعية، إلى حين مراجعة الكشوفات وتنقيحها وإلغاء كل ما يخالف القانون، لم يكن انتصاراً لطرف على آخر، وإنما كان انتصاراً للدولة نفسها، وللقانون الذي يجب أن يعلو فوق النفوذ والمصالح والعلاقات.
لقد أثبتت هذه الأزمة أن الإصغاء إلى صوت المواطنين لا ينتقص من هيبة السلطة، بل يعززها، وأن التراجع عن القرار الخاطئ فضيلة سياسية وإدارية، لا تُحسب ضعفاً وإنما تُسجل شجاعةً في تصحيح المسار قبل أن تتفاقم الأزمات.
غير أن القرارات وحدها لا تكفي، فالمطلوب اليوم هو مراجعة شاملة لكل ملفات الأراضي الزراعية، وترسيخ مبدأ الشفافية والعدالة، حتى لا تتحول حقوق الناس إلى ميدان للمحاباة أو استغلال النفوذ. فالدولة التي تحمي الضعيف، وتنصف صاحب الحق، هي الدولة التي تستحق ثقة مواطنيها.
أما الذين ظنوا أن المال العام والأراضي الزراعية يمكن أن تُدار بعقلية المصالح الخاصة، فعليهم أن يدركوا أن الوعي الشعبي أصبح أكثر يقظة، وأن عهد تمرير التجاوزات في الظلام قد ولى. فالقانون سيبقى أقوى من الأفراد، والحق أبقى من النفوذ.
ويبقى الأمل معقوداً على أن تكون هذه القرارات بداية لمرحلة جديدة تُدار فيها الموارد العامة بعدالة وشفافية، ويشعر فيها كل مزارع بأن حقه محفوظ، وأن الدولة تقف على مسافة واحدة من الجميع.
فالفتنة لا تُطفأ بالقوة وحدها، وإنما تُطفأ بالعدل… والعدل هو أعظم انتصارات الدولة.



