مقالات الظهيرة

(وجه الحقيقة) د. إبراهيم شقلاوي يكتب… بركة ساكن.. حين تصبح الفكرة قيدًا!!

وصل أمس الي الخرطوم الروائي السوداني عبد العزيز بركة ساكن، للانضمام إلى لجنة تهيئة الحوار السوداني، في لحظة مهمة تبحث فيها البلاد عن مخرج من أزمتها. الا أن مشاركته تفتح بابًا للتأمل في معنى الحوار، هل يكفي أن نجلس معًا لنصل إلى التفاهم، أم أن الخلافات التي صنعتها تجارب الحرب تحتاج إلى ما هو أعمق من مجرد الجلوس ؟

 

اشتهر بركة ساكن بأعمال روائية تناولت الحرب والفقر والتهميش والتحولات الاجتماعية، وجعل من الكتابة نافذة للحديث عن الأمن والسلام. واليوم، ينتقل إلى مساحة مختلفة، عنوانها تهيئة الحوار حول مستقبل السودان. لا يعني ذلك بالضرورة تغير مواقفه، ولا يفترض اتفاقه مع جميع الأطراف، لكنه يتيح لنا التأمل في المسافة بين التعبير عن القناعات والاستعداد للاستماع إلى ما وراءها. فالوطن يجمع الناس علي المشتركات.

 

في روايته “مسيح دارفور”،تحضر الحرب باعتبارها تجربة إنسانية تفضح العنف والتوحش وتكشف ما تفعله القوة حين تنفصل عن القانون والأخلاق. حيث قدّم بركة ساكن صورة للجنجويد، واختزل موقفه الأخلاقي منهم في عبارة : “أهون للجمل أن يلج من ثقب إبرة من أن يدخل جنجويد ملكوت الله”. وفي العالم الذي تستحضره الرواية، تبدو صورة هؤلاء كثيفي الشعر، تفوح منهم رائحة الموت، ولا يقيمون للدماء حرمة، صورة تختزل ما ارتبط بهم في الذاكرة السودانية من عنف وترويع واستباحة للدماء.

 

هكذا تتجاوز الكتابة حدود السرد لتصبح إدانة أخلاقية للعنف، وتحوّل الجنجويد من مجرد طرف في حكاية روائية إلى رمز لمأساة عاشها السودانيون، ولا تزال آثارها حاضرة في وعيهم السياسي والاجتماعي.

 

وقد اتخذ ساكن مواقف نقدية من سلوك مليشيا الدعم السريع، وربط سلوك الجماعات المسلحة بمستقبل السودان. لذلك فإن مشاركته في تهيئة الحوار لا تلزمه بالتراجع عن مواقفه، بل تطرح سؤالًا عن المسافة بين الموقف الأخلاقي وإمكان البحث عن مخرج سياسي من الحرب وألآمها .

 

منذ اندلاع الحرب في 15 أبريل 2023، تشكلت لدى قطاعات واسعة من السودانيين قناعة بأن انتهاكات مليشيا الدعم السريع تجعل قبولها، شريكًا في مستقبل البلاد أمرًا بالغ الصعوبة. وقد غذّت هذه القناعة وقائع دامية في الجنينة والفاشر وود النورة والهلالية والخرطوم، من قتل المدنيين والتهجير والنهب إلى الاعتداءات العرقية ،التي وثقتها تقارير أممية وحقوقية، وصفت بانها ترقي الي جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية.

 

من هنا ينبغي فهم مشاركة بركة ساكن في لجنة تهيئة الحوار السوداني–السوداني في سياقها الصحيح. فالمليشيا ليست جزءًا من هذا الحوار، وفق التصور الذي ينطلق منه هذا المسار، ولا تعني تهيئة الحوار منحها شرعية أو فتح الباب لتجاوز المسؤولية عن الانتهاكات. القضية المطروحة هي كيف يستعيد السودانيون دولتهم، وينهون الحرب، ويعالجون أسباب انهيار الفضاء الوطني، ويؤسسون مستقبلًا يحفظ الحقوق ويمنع تكرار الحرب.

 

هنا تحضرنا مقاربة فريدريك نيتشه في نقد القناعات، فليست المشكلة في رسوخ الفكرة، بل في تحوّلها إلى حاجز يمنع صاحبها من رؤية الواقع وتجديد وسائل الفعل. فالثبات على حرمة الدم ورفض الظلم مبدأ، أما مراجعة الوسائل فليست تنازلًا عن الحقوق، بل سعيٌ إلى حمايتها بفاعلية.

 

فالفكرة لا تصبح قيدًا لأنها راسخة، بل حين تعجز عن تحويل الإيمان إلى سلوك عادل، والذاكرة إلى وعيٍ يبني المستقبل ويحميه من تكرار المأساة.

 

بهذا المعنى، لا تتناقض إدانة بركة ساكن لمليشيا الدعم السريع مع مشاركته في تهيئة الحوار، إذ إن الحوار المقصود ليس تفاوضًا على منح المليشيا مكانًا في مستقبل البلاد، بل سعيٌ إلى بناء توافق وطني حول الدولة والسلام و التعافي. والتحدي السياسي هو أن يتحول هذا المسار إلى فعل يعالج جذور الحرب، ويعيد بناء الدولة و المؤسسات ، ويضمن حماية المدنيين.

 

لذلك في الحالة السودانية، لا ينبغي أن تتحول الدعوة إلى الحوار إلى مطالبة الضحايا بنسيان ما حدث، أو مساواة المسؤولية عن الانتهاكات بمواقف من يطالبون بالمحاسبة. فالحوار الجاد لا يلغي العدالة، ولا يعفي من المسؤولية، ولا يفرض على المجتمع التعامل مع العنف كأنه مجرد اختلاف في الرأي. لكنه يتيح مناقشة كيفية إنهاء الحرب، وبناء الدولة، وضمان ألا تتكرر الجرائم، ضمن مسار يحفظ الحقوق ويحدد المسؤوليات.

 

السودان، بحسب #وجه_الحقيقة، لا يحتاج إلى قناعات بلا جذور، ولا إلى مواقف مغلقة على المراجعة. فإدانة العنف والتمسك بالحقوق موقف أخلاقي، لكن التحدي يكمن في ألا تتحول المواقف إلى حواجز تمنع الحوار أو استيعاب تعقيدات الواقع. ومن هنا، لا تُقاس قيمة الفكرة بصلابة التمسك بها، بل بقدرتها على الجمع بين وضوح المبادئ ومرونة التفكير. فالفكرة لا تصبح قيدًا لأنها تدافع عن حق، بل حين تعجز عن التمييز بين ثبات المبدأ ومراجعة الوسيلة.

دمتم بخير وعافية،،

الخميس 29 أكتوبر 2026م. Shglawi55@gmail.com

 

#بركة_ساكن #الحوار_السوداني #الدولة_السودانية #السلام_والعدالة #مستقبل_السودان #الوعي_السياسي #حرية_الفكر #المصالحة_الوطنية #إبراهيم_شقلاوي #مسيح_دارفور

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى