(وجه الحقيقة) إبراهيم شقلاوي يكتب … من يجرف غاباتنا؟
من خلال رصد الشواهد، الواضح أن ثمة حرب أخرى تجري بصمت، تستهدف الأرض والغابات، وتستنزف ما يجعلها قابلة للحياة. إنها حرب على الغطاء النباتي والغابات والمراعي والمياه، وقد يكون أثرها أبعد من خسارة الأشجار، إذا تحولت الإزالة المتعمدة للغطاء النباتي من آثار جانبية للحرب إلى أداة من أدواتها غير المعلنة.
مثال ذلك غابة السنط في وسط الخرطوم، إحدى أهم الرئات الطبيعية للعاصمة، التي ظلت لعقود نظاماً بيئياً ومتنفساً للمدينة وموطناً للتنوع الحيوي. لكن الحرب خلفت فيها دماراً واسعاً، وسط إفادات عن قطع تجاوز الاحتطاب الفردي إلى عمليات منظمة. وهي شواهد تفتح باب التحقيق: هل ما يجري مجرد نتيجة لإنهيار الأمن والحاجة إلى الوقود، أم أن جانباً منه يمثل أجندة تستهدف البيئة كأحد مقومات صمود السكان؟
واللافت أن الظاهرة لا تقف عند غابة السنط في الخرطوم. فقد رُصدت عمليات إزالة واسعة للغطاء الغابي في سنار والنيل الأزرق، إلى جانب الجزيرة والنيل الأبيض والقضارف وشمال كردفان وغيرها، فيما تحدثت السلطات المختصة في سنار عن تخريب ممنهج أفقد الولاية نسبة كبيرة من غطائها الغابي. هذا الامتداد الجغرافي يفرض قراءة مختلفة للظاهرة، فحين تتكرر عمليات القطع في ولايات متعددة، لا يكفي تفسيرها كلها بالحاجة إلى الحطب والفحم أو بانهيار الرقابة، وإن كان ذلك أحد أسبابها المؤكدة. ثمة حاجة إلى التمييز بين الاحتطاب المعيشي، والاتجار المنظم، والإزالة التي قد تكون مرتبطة بصورة مباشرة بأجندة الحرب.
وهنا تبدأ المسألة في اكتساب معناها السياسي والأمني. فالحرب على الأرض لا تجري دائماً بالمدافع أو الهاونات، أحياناً يمكن أن تبدأ بتجفيف أسباب الحياة عليها. وحين تُزال الأشجار، وتتدهور المراعي، وتُستنزف التربة، وتتراجع قدرة الأرض على الاحتفاظ بالمياه، فإن المجتمع الزراعي والرعوي يفقد تدريجياً قدرته على البقاء في مكانه. وهنا يصبح النزوح نتيجة لتدمير شروط وأسباب الحياة، لا مجرد نتيجة مباشرة للقتال.
والأمر أكثر دلالة إذا نظرنا إلى ما كان السودان يفعله قبل الحرب. فقد بذلت الدولة جهوداً في مكافحة التصحر، وتوسيع الغطاء النباتي، وتنمية المراعي، وحصاد المياه، وتأهيل الأراضي، وهي سياسات لم تكن بيئية في معناها الضيق، بل ارتبطت بمحاولة تثبيت المجتمعات الريفية، وتحسين الإنتاج الزراعي والرعوي، وتهيئة ظروف أفضل لعودة النازحين واللاجئين من دول الجوار والاستقرار في مناطقهم الأصلية. لذلك فإن تدمير الغابات والمراعي ومصادر المياه لا يهدم مورداً طبيعياً فحسب، بل قد يهدم أيضاً البنية التي كان يُراد من خلالها إعادة السكان إلى أرضهم.
وهنا تتضح المفارقة السياسية: كانت الدولة تحاول زيادة قدرة الأرض على استقبال سكانها وإعالتهم، بينما يؤدي تجريف الغطاء النباتي وتدمير الموارد إلى جعل الأرض أقل قدرة على الاحتفاظ بهم. فإذا ثبت أن هذا التجريف جرى في بعض المناطق بصورة متعمدة ومتزامنة مع تخريب مصادر المياه وتعطيل الزراعة والرعي، فإننا نكون أمام جريمة بيئية مكتملة، بجانب نمط من الضغط على السكان عبر إضعاف مقومات بقائهم.
إزالة الغطاء النباتي قد “تمنع المطر” ، كما أنها تفاقم الجفاف وتسرّع التصحر بإضعاف التربة وقدرتها على الاحتفاظ بالمياه والرطوبة، ما يهدد الزراعة والرعي ويدفع السكان إلى البحث عن الماء والمرعى والغذاء، أو النزوح عبر الحدود. ومن هنا يصبح احتمال التجريف الجائر المتعمد جديراً بالتحقيق: فإذا كشفت الأقمار الصناعية تسارع الإزالة في مناطق تزامناً مع تغيّر السيطرة أو تدمير الآبار والمراعي وحصاد المياه، ثم أعقب ذلك نزوح، فنحن أمام نمط خطير لا يجوز تجاهله.
وهنا يصبح الأمر أيضاً اختباراً لالتزامات السودان المناخية ، فقد شارك الرئيس البرهان في COP29 بباكو، وتعهد السودان بإعداد خطة وطنية للتكيف مع تغير المناخ، وتعزيز الطاقة المتجددة، ودعا إلى تمويل التنمية المستدامة، فيما أقر الخطاب، بأن الحرب أسهمت في زيادة إزالة الغابات. لذلك فإن إعادة الإعمار لا ينبغي أن تعيد بناء المدن وحدها، بل أن تستعيد الغابة والمراعي والمياه والأحزمة الخضراء، وتحول حماية الغطاء النباتي من شعار بيئي إلى التزام وطني ومناخي قابل للقياس والمساءلة.
وتثبت مبادرات شباب في شمبات وغيرها من المبادرات الشبابية، أن المجتمع قادر على إنقاذ ما تبقى، لكن حماية الغابات مسؤولية دولة.
لذلك، وبحسب #وجه_الحقيقة، فإن “من يجرف غاباتنا؟” ليس سؤالاً بيئياً فحسب ، بل قضية أمن قومي تستوجب تحقيقاً عاجلاً يحدد من يقطع وينقل ويشتري، ومن يقف خلف التجريف، مدعوماً بصور الأقمار الصناعية وربط الإزالة بالمياه والمراعي والنزوح و تجارة الأخشاب. وإذا ثبت أن تدمير البيئة استُخدم لإضعاف شروط البقاء ودفع السكان إلى الرحيل، فنحن أمام استهداف للاستقرار. وعليه، يجب حماية ما تبقى، وملاحقة التجارة ، وتسريع التشجير وحصاد المياه وتأهيل المراعي ضمن إعادة الإعمار، فالشجرة تُقتلع في ساعات، لكن خسارتها قد تُثقِل البلاد لعقود.
دمتم بخير وعافية.
الأحد 23 أغسطس 2026 م. Shglawi55@gmail.com
#السودان #إبراهيم_شقلاوي #غابات_السودان #البيئة #الأمن_البيئي #التغير_المناخي #التصحر #الغطاء_النباتي #إعادة_الإعمار #النزوح



