مقالات الظهيرة

(حديثكم) مرتضى أحمد الخليفة يكتب… أطفال الكرتة بنهر النيل… من يحميهم من الموت البطيء؟!! 

من خلال زياراتي المتكررة لمواقع التعدين الأهلي بولاية نهر النيل وتجولي في عدد من مناطق التعدين وقفت على مشاهد مؤلمة تستحق أن تتوقف عندها الدولة والمجتمع طويلاً أطفال صغار لم تتجاوز أعمار بعضهم العاشرة تركوا القلم والكراس ومقاعد الدراسة واتجهوا إلى الصحاري بحثاً عن الذهب

أطفال لا يعرفون خطورة ما يفعلون ولا يدركون حجم المخاطر التي تحيط بهم تجدهم بين أكوام الكرتة يغسلون الذهب تحت حرارة الشمس الحارقة ويتعاملون مع مواد شديدة الخطورة دون وعي أو حماية كافية بحثاً عن المعدن النفيس الذي أصبح بالنسبة لهم هدفاً يتقدم على التعليم والصحة ومستقبل الطفولة

المشهد الأكثر إيلاماً أن بعض هؤلاء الأطفال يحتاجون أصلاً إلى التعليم والرعاية والتوجيه فكيف لطفل في هذا العمر أن يتحمل مشقة الصحراء ومخاطر التعدين وكيف نسمح له بأن يترك المدرسة ويتحول إلى عامل في بيئة قد تعرض صحته وحياته للخطر

لقد تحدثنا من قبل عن الذهب والتعدين وعن ضرورة تنظيم التعدين الأهلي ووضع اللوائح والضوابط التي تحمي الإنسان والبيئة ولكن قضية الأطفال تحتاج إلى وقفة أكثر جدية لأن الأمر لم يعد مجرد عمالة صغيرة وإنما أصبح قضية تعليم وصحة وطفولة ومستقبل مجتمع بأكمله

والأخطر أن وجود الأطفال في مواقع التعدين بعيداً عن الأسرة والمدرسة والرقابة قد يجعلهم عرضة لمخاطر أخرى من بينها الاستغلال والعنف والانحراف والإدمان المبكر خاصة في ظل انتشار تجارة المخدرات بمختلف أنواعها وأشكالها

من هنا فإن المسؤولية تقع على الدولة أولاً وعلى الجهات المختصة بقطاع التعدين والتعليم والرعاية الاجتماعية والمحليات وأسر هؤلاء الأطفال ولا بد من تحديد أعمار واضحة ومُلزمة للعمل في مواقع التعدين الأهلي ومنع تشغيل الأطفال دون السن القانونية مع تشديد الرقابة على مواقع التعدين ومحاسبة كل من يستغل الأطفال في هذه الأعمال

كما نحتاج إلى دراسات اجتماعية وميدانية حقيقية لأوضاع هؤلاء الأطفال وأسرهم لماذا تركوا التعليم وما الذي دفع أسرهم إلى إرسالهم إلى مواقع التعدين وما احتياجاتهم الاقتصادية والاجتماعية وكيف يمكن إعادتهم إلى المدارس وتوفير الحماية والرعاية لهم

نحن لا نحارب التعدين ولا نرفض البحث عن الذهب فالذهب ثروة وطنية ومورد اقتصادي مهم ولكن الثروة الحقيقية هي الإنسان والطفل الذي يحمل القلم اليوم قد يكون مهندساً أو طبيباً أو معلماً أو عالماً غداً

أما أن نترك أطفالنا بين الزئبق والسموم وحرارة الصحاري بحثاً عن الذهب فهذا يعني أننا قد نكسب بعض المعدن النفيس لكننا نخسر أغلى ما نملك أطفال السودان ومستقبلهم

فهل تتحرك الجهات المختصة قبل أن يتحول صمتنا عن هؤلاء الأطفال إلى جريمة في حق طفولتهم ومستقبلهم

أطفال الكرتة بنهر النيل لا يحتاجون إلى الذهب بقدر ما يحتاجون إلى المدرسة والرعاية والحماية ومستقبل آمن يحميهم من مخاطر التعدين والمخدرات ولكم التقدير والإحترام

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى