مقالات الظهيرة

(وجه الحقيقة) إبراهيم شقلاوي يكتب… حميدتي… خطاب النهاية!!

في الحروب تُقرأ الخطب بما تكشفه من تحولات في موازين القوة، وبما تفضحه من تناقض بين اللغة والواقع. فالسياسة لا تقرأ الكلمات، لكن تقرأ ما وراءها، تقرأ توقيت الخطاب، وسياقه، ولغة الجسد، والرسائل التي يُراد تمريرها، وتلك التي بين السطور. لذلك الخطاب الأخير لقائد مليشيا الدعم السريع محمد حمدان دقلو “حميدتي” ، بدأ أقرب إلى وثيقة سياسية تعكس مأزق مشروع أطماع بدأ في التلاشي بعد أن فقد عناصر المبادرة.

 

جاء الخطاب في أعقاب تحولات مهمة في شمال كردفان، حيث تمكن الجيش من استعادة بارا وجبرة الشيخ وأم سيالة، وتأمين طريق الصادرات الرابط بين أم درمان والأبيض. وهذه التطورات، تؤشر إلى انتقال المبادرة إلى القوات المسلحة، بجانب الأثر المباشر على العمق العملياتي لمليشيا الدعم السريع، وعلى قدرتها في الحفاظ على خطوط الإمداد والمناورة .

 

في هذا السياق بدت العبارات التي كررها حميدتي، مثل “من اليوم ما في نوم”، و”غيّروا قواعد اللعبة”، و”نكون أو لا نكون”، أقرب إلى خطاب تعبوي يسعى إلى إعادة ترميم الثقة داخل القوة، أكثر من كونه إعلاناً عن مرحلة هجومية جديدة. فالقيادة التي تمتلك زمام المبادرة لا تضطر عادة إلى مخاطبة قواعدها بمنطق الاستنفار الوجودي، لأن الوقائع على الأرض تكون كفيلة بإنتاج الثقة دون الحاجة إلى استدعائها بالكلمات.

 

بدأ الرجل شاحب الملامح ومرهقًا، تتنقل نظراته بين الشرود والتردد، فيما عكست ملامحه تعثر في إيصال رسائله نظرا لحجم الضغوط التي يواجهها. ورغم أن لغة الجسد لا تكفي وحدها لإصدار الأحكام، فإنها في السياسة تكتسب دلالة حين تتقاطع مع مؤشرات أخرى، وهو ما كشف التباين بين خطاب سعى لإظهار الثقة وأداء أوحى بمرارة الهزيمة.

 

اكتسب الخطاب دلالة إضافية مع تكرار الحديث عن “الطابور الخامس”، والتحذير من تصوير العمليات، والدعوة إلى “تنظيف الصفوف”، وهي مفردات غالبًا ما ترتبط بتنامي الشكوك في تماسك البنية التنظيمية للمليشيا واتساع الاختراقات وسطها. كما أوحت عبارته: “الرسن عندكم” بنقل جانب من عبء إدارة المعركة إلى القادة الميدانيين، بما يعكس تراجعًا في مركزية القرار والسيطرة أو صعوبة متزايدة في إحكام القيادة.

 

وتتعمق دلالات الخطاب عند مقارنته برسائل متداولة من الميدان تحدثت عن نقص الوقود والذخائر، و الإمداد، وتراجع الثقة بين القيادات، إلى جانب الصراع القبلي. ورغم صعوبة التحقق من هذه المعطيات، فإن تزامنها مع التراجع الميداني والخطاب يمنحها قيمة تحليلية، ويشير إلى وجود أزمة بنيوية تتجاوز الخسائر العسكرية.

 

وتبرز هنا خصوصية الدعم السريع، فهو لم ينشأ كحركة تمرد، بل قوة نظامية أُنشئت بقانون قبل أن تتمرد على الجيش في خضم الأطماع التي يرد لها هندسة البلاد. ومع اندلاع الحرب، تجاوز النزاع مسألة تقاسم الحكم ليصبح صراعًا حول طبيعة الدولة، واحتكار القوة المسلحة، ومن يملك حق إعادة تشكيل النظام السياسي.

 

لذلك، فإن الحديث عن سقوط المشروع لا يعني نهاية تشكيل هذه القوات فقط، بل تراجع الفكرة التي قامت عليها الحرب، وهي فرض واقع سياسي جديد بقوة السلاح خارج مؤسسات الدولة. فقد كان الرهان على أن السيطرة العسكرية ستنتج شرعية سياسية، لكن التطورات الميدانية تشير إلى أن المشروع بات يواجه أزمة في فرض شروطه قبل أن يواجه أزمة في بقائه.

 

اللافت أيضاً أن حميدتي حاول الجمع بين خطاب الحرب وخطاب السلام، فتحدث عن حماية المدنيين، وأكد أنه ليس ضد السلام، بينما لوّح بتوسيع رقعة القتال. وهذا التناقض يعكس محاولة للحفاظ على مساحة سياسية يمكن ان تستميل آخرين، بالتوازي مع محاولة رفع معنويات قواته التي تلقت خلال الأسابيع الأخيرة ضربات قاسية في عدد من المحاور.

 

وفي المقابل، حملت تحركات القوات المسلحة رسائل سياسية بقدر ما حققت مكاسب ميدانية. فجاء ظهور رئيس مجلس السيادة والقائد العام للقوات المسلحة الفريق أول عبد الفتاح البرهان وسط الجيش في كردفان تأكيدًا لثقة القيادة بمسار العمليات، بينما كانت قيادة المليشيا تعاني الهزيمة. وفي الحروب كثيرًا ما تتحول الرمزية السياسية إلى عامل مؤثر في الثبات.

 

ويتزامن ذلك مع عودة الحراك السياسي الدولي عبر اجتماعات الآلية الخماسية في أديس أبابا، هذه الأيام ، بما يعكس ارتباط المسار الدبلوماسي بالتحولات الميدانية. فالتسويات السياسية تعيد تموضعها وتحاول انقاذ المليشيا كلما تبدلت موازين القوة، إذ تدرك الأطراف الدولية أن أي حل لا يمكن أن ينفصل عن الواقع الذي تفرضه معادلات الميدان.

 

غير أن قراءة الحراك الدولي واضح أنها تنطلق من منطق المصالح والنفوذ، فسقوط المشروع الذي راهنت عليه بعض العواصم يفرض واقعًا جديدًا، ويدفعها لإعادة حساباتها بحثًا عن نفوذ داخل العملية السياسية المقبلة. لكن أي مسار سياسي في السودان سيظل مرتبطًا بمطلب السودانيين : أن تكون المساءلة والعدالة الانتقالية مدخلًا لأي تسوية قادمة.

 

لكن التجربة السودانية بحسب #وجه_الحقيقة تؤكد أن رهانات الخارج لا تصنع شرعية، فمشروعات إعادة تشكيل الدولة بعيدًا عن الإرادة الوطنية سرعان ما تصطدم بحقيقة أن السودان ليس ساحة للوصاية، وأن شعبه ظل عبر تاريخه صاحب الكلمة الفصل، من ثورتي أكتوبر وأبريل إلى ديسمبر. لذلك فلا مكان لأي فكرة تجاوز إرادة السودانيين، فالتأثير الخارجي قد يغير مسار الأزمات، لكنه لا يمنح شرعية لا يحققها القبول الوطني. وقد لا يكون هذا آخر خطاب يلقيه حميدتي، لكنه قد يكون أول خطاب يقرأه التاريخ بوصفه إعلاناً عن نهاية مشروع، كتبت نهايته بإرادة السودانيين.

 

دمتم بخير وعافية.

الأربعاء 29 يوليو 2026 م Shglawi55@gmail.com

 

#بارا #شمال_كردفان #القوات_المسلحة_السودانية #الجيش_السوداني #حميدتي #السيادة_السودانية #السلام_في_السودان #الحرب_في_السودان #السودان #إبراهيم_شقلاوي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى