مقالات الظهيرة

(همس الأربعاء) خالد أمين زكي يكتب… ومضة من تحت الرماد!!

حين تشتكي المحابر صريرها المرّ، وتجفّ الحلوق من تكرار النداء في وادٍ سدّه الصمم، نعلم علم اليقين أن الكلمات لم تعد ترفاً لغوياً، بل هي مخاضٌ فكري لوطنٍ يُراد له أن ينهض من حافة الرماد. لقد تدمّر السودان، وتناثرت بنيته الفوقية والتحتية في مهبّ الفتن والدسائس، ولم يعد هناك متسعٌ بنيوي أو أخلاقي لتلك “الأنا” النرجسية الفصائلية التي أحرقت الأخضر واليابس.

إن بناء الأوطان، في المفهوم السوسيولوجي والسياسي العالي، ليس خطباً أيديولوجية تُلقى، ولا أمنيات رغائبية تُسكب، بل هو “هندسة وجدان جماعي” تذوب فيها الفوارق الضيقة، لينصهر الجميع في مصنع الإعمار الكبير.

ولكن، قبل أن نمد أيدينا للمعاول، لزاماً علينا أن نمارس شجاعة المكاشفة أمام مرايا الذات؛ فلماذا نشير بإصبع الاتهام للخارج بينما نستهلك طاقاتنا بالداخل في صناعة “الإشاعة الموجهة” وبثها بلا رؤية، لتكون نصالاً مسمومة تُثبّط الهمم وتقتل المعنويات؟

لماذا نسعى بوعي أو بدونه، وبإصرار حثيث، نحو الاغتيالات السياسية والمعنوية والفكرية لكل قامة تحاول الابتكار؟ لماذا بات ديدننا صبّ زيت الشك والريبة في طريق كل مسؤول، وزرع الأشواك أمام كل خطوة نحو الإصلاح؟ لماذا.. ولماذا..

ولماذا تفرّغنا لهدم الرموز وتجريف الكفاءات عوضاً عن رصّ الصفوف؟ إنها تساؤلات حارقة تضعنا جميعاً أمام حقيقة أن التدمير لم يكن حكراً على السلاح، بل شاركت فيه ثقافة التشكيك الجارفة التي آن لها أن تتوقف.

إنها دعوة بمسؤولية تاريخية حاسمة، ومقاربة نقدية تمتد لتستنهض كل قوى المجتمع الحية؛ إلى كل صاحب قلم سيّال يملك سلطة التنوير ليحارب الشائعة بالحقائق، ولسانٍ مفوّه يصنع الوعي البديل، وعينٍ بصيرة تخترق حجب الظلمة لتستشرف المستقبل، وإلى كل صاحب قرار يملك الأدوات السيادية ليرتق الفتق قبل اتساعه.

إنه نداء بنيوي للقلوب السليمة التي تعالت على الأطماع الذاتية، ودعوة متجردة للقابضين على التتك والزناد أن يعيدوا مواءمة القوة مع الحق، لتكون البندقية حارساً للسلام والبناء لا معولاً للهدم،الحق فيها للقوات الشرعية حسب قانون السودان. والاستقطاب.

إنها تحية لنخبة الفكر ونبع المعرفة الذين ترتفع حناجرهم في قاعات الفلس

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى