(همس الأربعاء) خالد أمين زكي يكتب…. الجوهر العصيُّ على الالتفاف: حين يجلي اليقين ظلمات التردد!
بينما يغرق المشهد السياسِي والإعلامي في بحرٍ من القراءات الملتوية، ويتفنن المتأولون في رسم سيناريوهات مجهدة تتفادى جليَّ القول، يبقى هناك حدٌّ فاصل تسقط عنده كل القراءات الاستعراضية: وضوح الحقيقة حين تجابه الواقع بجسارة لا تقبل المساومة.
إن ما يشهده المسرح اليوم ليس مجرد تباين عادي في وجهات النظر، بل هو مظهر من مظاهر الهروب الفكري؛ ذلك المسلك الذي تُقذف فيه البديهيات الوطنية لتتحول بقدرة قادر إلى ألغاز يحتاج حلها إلى طلاسم وتحليلات معقدة.
في المحطات الفاصلة من تاريخ الأمم، لا تُبنى المواقف الوطنية على ظنون القراءات المائعة ولا على التفتيش في صمغ السطور المهجورة، بل على القول الفصل الذي يضع الثوابت فوق كل حسابات المناورة. غير أن المشهد العليل كثيراً ما يربكه التجلي ويزعجه الوضوح! لقد اعتادت النخب المحترفة للرمادية أن تنشط في المساحات المعتمة وأن تستريح إلى التسويات الهشة، فلما جاء الخطاب المباشر يحدد المعالم ويرسم حدود المسار الحاسم بلا مواربة، أصاب حساباتها الإرباك. فصار البحث عن المتعرجات والدروب الضيقة حين يكون الطريق المباشر سالكاً ليس مجرد ترف تحليلي، بل محاولة بائسة لإعادة تدوير أزمات كانت أصلاً وليدة الغموض والرهان على سراب الحلول المائعة.
إن متلازمة الهروب من مستحقات الواقع هي التي تدفع بأصحاب الهوى إلى الالتات والعجن في المسلمات؛ فالإقرار بالجوهر الناصع يرتب التزامات أخلاقية وسياسية صارمة لا يطيقها منطق المداراة، بينما يتيح الغرق في تفاصيل المتعرجات مساحة للاستثمار في الوقت الضائع. هم يخشون اللحظة التي يُغلق فيها باب المزاد، لأن إغلاقه يعني ببساطة نهاية أدوارهم كوسطاء في سوق المبادئ. غير أن المرحلة الراهنة بخصائصها الفاصلة لم تعد تحتمل صناعة الأوهام، فالأوطان لا تُدار بالمعادلات الصفرية التائهة، ولا بالتحليلات التي تتنكر لصلب القضايا لتبحث عن مخارج طوارئ في العدم.
إن الشارع اليوم بات أكثر وعياً ونفاذاً من كل غرف التخطيط ومطابخ التحليل المشبوهة. لقد انكسرت سحارة الأوهام، ولم يعد الجماهير يُخدعون بالبلاغة المائعة التي تُغلف الهزائم النفسية. الناس باتوا يمتلكون حساسية فائقة للفرز المباشر؛ يعرفون نبرة الصدق التي تخرج من رحم المعاناة، ويميزون بين القول النابع من صلب المدى الوطني الملتزم، وبين الطنين الفارغ الذي يخرج من صالونات الترف السياسي.
إن الجوهر الثابت في كل هذا الصخب يتلخص في حقيقة واحدة: أن النهوض لا يستقيم على رمادية المواقف ولا على التذاكي السياسي. والرهان الحقيقي الذي يفرضه شرف الكلمة اليوم ليس في ممارسة الفهلوة الصحفية، بل في الشجاعة الرصينة التي تتلقى الحقيقة الناصعة كما هي، وتتخذ منها ركيزة لبناء مستقبل يتجاوز شتات الأمس، لتدمدم كل المتعرجات ويبقى صوت الجوهر هو الأعلى والأبقى.



