(همسة وطنية) د. طارق عشيري يكتب…. هل نحن نعرف لغة السياسة؟

ينتابني احساس كلما اكتب مقال هل مايكتب يطلع عليه اهل السياسية ام تذهب همستنا ادراج الرياح( ليست المشكلة أن نختلف)، فاختلاف( الرؤى سنة من سنن الحياة السياسية).
وإنما (المشكلة أن نجهل كيف نختلف). السياسة ليست (صراعاً لإلغاء الآخر)، ولا مسابقة في( التخوين ورفع الأصوات)، بل هي( لغة تقوم على الحكمة)، و(المصلحة)، و(الحوار)، و(القدرة على إدارة الخلاف) دون أن يتحول (الوطن إلى ضحية). وفي السودان، ربما آن الأوان أن نسأل أنفسنا بجرأة: هل نمارس السياسة، أم ما زلنا نمارس الخصومة بثوب سياسي؟
هل نعرف لغة السياسة؟
السياسة ليست( مجرد خطبٍ وشعارات)، وليست( القدرة على رفع الصوت أو كسب معركة إعلامية). السياسة في (جوهرها هي فن إدارة الاختلاف)، و(فهم المصالح)، و(بناء التوافقات)، و(تحويل التباين بين الناس إلى طاقة يمكن أن تخدم الوطن).
ولعل السؤال الذي يجب أن نطرحه اليوم بصدق هو: هل نحن نعرف لغة السياسة؟
في كثير من( الأحيان) نخلط بين( السياسة) و(الخصومة)، وبين( الاختلاف والعداء)، وبين (النقد والإقصاء). وقد أصبحت بعض (المفردات السياسية) سبباً في تعميق الجراح بدلاً من معالجتها. فحين يتحول الخصم السياسي إلى عدو، وحين يصبح الاختلاف في الرأي( اتهاماً في الوطنية)، فإننا نكون قد فقدنا أهم أدوات السياسة: (الحوار)
(لغة السياسة الناضجة) لا تعني أن نتفق على كل شيء، وإنما أن نختلف دون أن (نهدم ما يجمعنا). أن (ننتقد الموقف دون أن نهين صاحبه)، وأن (نراجع القرار)دون أن (نلغي الإنسان)، وأن( نبحث عن نقاط الالتقاء) بدلاً من (تكريس نقاط الخلاف).
والسودان اليوم يحتاج أكثر من أي وقت مضى إلى (لغة سياسية جديدة)لغة( تتجاوز مفردات الماضي)، وتضع الوطن فوق الحسابات الحزبية والشخصية، وتؤمن بأن بناء الدولة لا يمكن أن يتم بعقلية المنتصر والمهزوم.
نحتاج إلى سياسي( يعرف متى يتحدث)، و(متى يستمع)، و(متى يتراجع،) و(متى يقدم التنازل من أجل مصلحة أكبر). (فالتنازل السياسي) من أجل (الوطن)ليس ضعفاً، و(الاعتراف بالخطأ ليس هزيمة)، و(قبول الآخر) ليس (تخلياً عن المبادئ).
إن أخطر ما يمكن أن نفعله في هذه المرحلة هو أن (نستمر في استخدام لغة سياسية) تزيد المسافات بين السودانيين. فالبلاد التي أنهكتها الحرب لا تحتاج إلى مزيد من المعارك الكلامية، وإنما تحتاج إلى خطاب يعيد الثقة، ويجمع الصفوف، ويفتح الطريق أمام المصالحة الوطنية وبناء الدولة.
السياسة التي لا تنتج سلاماً، ولا تحفظ الدولة، ولا تخدم المواطن، تحتاج إلى مراجعة.
نحن (بحاجة إلى أن نتعلم من جديد) كيف (نتحدث عن السودان)، وكيف( نختلف من أجل السودان)، و(كيف نجلس مع من نختلف معه) من أجل (مستقبل السودان).
فربما لا تكون( المشكلة دائماً في اختلاف المواقف)، وإنما في( اللغة التي ندير بها هذا الاختلاف).
فإن السياسي الحقيقي ليس من يجيد( صناعة الخصوم)، بل من( يجيد صناعة المساحات المشتركة). وليس من ينتصر على الآخرين، بل من يساعد الجميع على الانتصار للوطن.
فلنتعلم( لغة السياسة التي تجمع ولا تفرق)، و(تبني ولا تهدم)، و(تفتح أبواب المستقبل) بدلاً من( إعادة إنتاج أزمات الماضي) وسودان الحرب اقوي واجمل…



