هالة النقر .. سيدة من ذهب على رأس الصحة الإنجابية بالنيل الأبيض

الظهيرة – كوستي:
في زحمة المكاتب والتقارير، قليلون هم الذين تشعر وأنت تقترب منهم أنك أمام إنسان قبل أن يكون مسؤول. الأستاذة هالة محمد عبد الرحمن النقر، مديرة إدارة الصحة الإنجابية بولاية النيل الأبيض، واحدة من هذا الطراز النادر.
لم تأتِ هالة إلى موقعها صدفة. هي ابنة الميدان، تدرجت وتعلمت، وسكنت هموم النساء في القرى البعيدة كما في قلب كوستي وربك والدويم. لذلك تجد عندها خبرة متراكمة لا تُشترى، خبرة تشكلت من سنوات طويلة من الاحتكاك المباشر، من زيارة مركز صحي ناءٍ، ومن الاستماع لامرأة حامل لا تملك ثمن الوصول للمستشفى.
ما يميز هالة أولاً هو قيادتها الهادئة. لا صوت عالٍ ولا استعراض. تدير فريقها بلغة تواصل رفيعة، تحترم الصغير قبل الكبير، تسمع أكثر مما تتكلم، وإذا تكلمت كان كلامها واضحاً ومباشراً يصل للقلب. يعرف زملاؤها جيداً أنها لا تؤمن بمدير يجلس خلف مكتب، بل بقائد يمشي في المقدمة.
وخطواتها فعلاً تنبض بالإنسانية. قد تجدها في حملة توعية في حي طرفي صباحاً، وفي اجتماع تخطيط ظهراً، وفي زيارة متابعة لمستشفى مساءً. لا تعرف يوم الجمعة من يوم الأحد، وهذه ليست عبارة مجازية. من يعملون معها يعلمون أن هاتفها لا يغلق، وأنها على استعداد للعمل طوال أيام الأسبوع إذا كان الأمر يتعلق بصحة أم أو حياة طفل. هذا القطاع الحساس، قطاع الصحة الإنجابية، لا يحتمل التأجيل، وهي تفهم ذلك جيداً.
هالة لا تكتفي بتنفيذ ما هو مطلوب منها. دائماً تفكر في الخطوة القادمة، كيف نطور الخدمة؟ كيف نصل للمرأة في قريتها؟ كيف نخفض وفيات الأمهات؟ كيف ندرب القابلات؟ أسئلة لا تفارقها. ولهذا كانت لها مبادراتها الشخصية التي لا تنتظر ميزانية ولا توجيه، مبادرات تنبع من إحساسها العالي بالمسؤولية، من متابعة حالة بنفسها، من توفير احتياج ناقص، من تشجيع كادر مجتهد بكلمة طيبة.
يتحدث الناس عن الإدارة والمناصب، لكن القيمة الحقيقية تظل في الإنسان. وهالة النقر إنسانة من ذهب، بكل ما تحمله الكلمة من معنى. ذهب في عطائها، ذهب في صدقها، وذهب في إخلاصها لولايتها ولنساء النيل الأبيض.
أمثال هالة هم الثروة الحقيقية التي يجب أن نحافظ عليها، وأن نُسلط عليها الضوء، لأنها تعمل في صمت وتترك الأثر ضجيجاً.



