مَنْ يُعَطِّلُ قَرَارَ الدَّوْلَة… حين تصدر القرارات من القمة ولا تصل إلى المواطن؟! !!

رؤية وطنية… نكتب للوطن ونفكر للمستقبل
بقلم: أبوعبيدة أحمد علي عباس
بسم الله الرحمن الرحيم
ليست هيبة الدولة في كثرة القرارات التي تصدرها، ولا في قوة العبارات التي تُعلن بها مواقفها، وإنما هيبتها الحقيقية في قدرتها على تحويل القرار إلى واقع، والتوجيه إلى عمل، والوعد إلى إنجاز يلمسه المواطن في حياته اليومية. فالدولة التي تتكاثر فيها القرارات بينما تتعطل آثارها، تضع نفسها أمام سؤال لا يجوز أن يظل معلقاً: أين تتوقف إرادة السلطة، ومن الذي يملك تعطيلها، ولماذا يدفع المواطن ثمن هذا التعطيل؟
لقد قرأت باهتمام ما كتبه أخي وصديقي وجاري الدكتور مجدي الفكي، الاقتصادي والنقابي، بشأن القرارات الصادرة عن أعلى مستويات السلطة السياسية، وما يعتري تنفيذ بعضها من تعثر، بينما تظل الأسواق مضطربة، والأسعار مرتفعة، ومعاناة الناس تتزايد في الخبز والوقود وسائر ضروريات الحياة.
وإنني، إذ أتناول هذه القضية، لا أستهدف شخصاً بعينه، ولا أطلق اتهاماً بلا بينة، وإنما أطرح سؤالاً وطنياً مشروعاً، يفرضه واقع المواطن السوداني الذي أنهكته الحرب، وأثقلته تكاليف المعيشة، وأصبح ينتظر من مؤسسات دولته أن تحمي حقه في الحياة الكريمة، لا أن تكتفي بإعلان القرارات ثم تتركه أسيراً لنتائج غياب التنفيذ.
إذا صدر القرار من أعلى سلطة سياسية في الدولة، فما الذي يحول دون تنفيذه؟
هل تكمن المشكلة في ضعف المتابعة؟ أم في تضارب الاختصاصات؟ أم في مقاومة بعض الجهات المستفيدة من استمرار الأزمات؟ أم في قصور الأجهزة التنفيذية والرقابية؟ أم أن القرار نفسه يصدر دون توفير الشروط الاقتصادية والإدارية التي تجعل تنفيذه ممكناً؟
هذه أسئلة لا ينبغي أن تُجاب بالتخمين، بل بالتحقيق والمراجعة والمعلومات الموثقة، لأن علاج الداء لا يبدأ بإخفاء أعراضه، وإنما بتحديد موضع الخلل ومحاسبة المسؤول عنه وفق القانون.
إن الدولة ليست شخصاً واحداً، مهما علت مكانته، بل هي منظومة من المؤسسات والاختصاصات والمسؤوليات. ومن ثم، فإن صدور قرار من القيادة لا يعفي الوزارات والهيئات والأجهزة المختصة من واجب التنفيذ، كما أن تعثر التنفيذ لا يجوز أن يمر بلا تفسير واضح، ولا أن يتحول إلى عادة إدارية تتكرر بينما تتفاقم معاناة المواطنين.
وهنا تبرز مسؤولية القيادة السياسية، وفي مقدمتها الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان، رئيس مجلس السيادة والقائد العام للقوات المسلحة، في متابعة أداء مؤسسات الدولة، والتأكد من أن القرارات المعلنة تجد طريقها إلى التنفيذ، وأن كل جهة تعرف واجبها وحدود اختصاصها، وأن التقارير التي تُرفع إلى القيادة تعكس الواقع كما هو، لا كما يرغب بعض المسؤولين في تصويره.
ولا يعني ذلك أن كل قرار يصدر عن القيادة العليا قابل للتنفيذ الفوري بصرف النظر عن القانون والموارد والظروف؛ فهناك قرارات تحتاج إلى لوائح، وأخرى إلى تمويل، وثالثة إلى تنسيق بين مؤسسات متعددة. لكن الواجب يقتضي إعلان العقبات الحقيقية، وتحديد المسؤول عنها، ووضع جدول زمني لمعالجتها، بدلاً من ترك المواطن يتساءل وحده عن مصير القرارات.
إن أخطر ما يواجه الدولة ليس مجرد تعثر قرار، بل اعتياد التعثر حتى يصبح أمراً مألوفاً لا يستدعي المساءلة.
فحين يُعلن إجراء لحماية المستهلك أو ضبط الأسواق، ثم لا يرى الناس أثراً له، تتراجع الثقة في المؤسسات. وحين تتكرر الوعود بشأن الخبز والوقود والسلع الأساسية، ثم تظل الأزمات قائمة، يشعر المواطن بأن صوته لا يبلغ مراكز القرار، وأن معاناته لا تتحول إلى أولوية عملية.
وما أحوجنا اليوم إلى إدارة لا تكتفي بإصدار التوجيهات، بل تتابع تنفيذها، ولا تنتظر تفاقم الأزمة حتى تتحرك، بل تستبقها بالرقابة والتخطيط والشفافية. نحتاج إلى مسؤول يشرح للناس ما نُفذ، وما تعثر، ولماذا تعثر، وما الإجراء الذي اتُخذ لتجاوز العقبة، ومتى يُنتظر ظهور النتيجة.
كما نحتاج إلى إعلام مسؤول يراقب الأداء العام، وينقل شكاوى المواطنين، ويمنح الجهات المختصة حق الرد، ويكشف أوجه القصور استناداً إلى الوقائع، بعيداً عن التشهير أو التهويل أو ترويج الاتهامات غير المثبتة.
إن السؤال عن تعطيل قرارات الدولة ليس خروجاً على الدولة، بل هو دفاع عن فاعليتها. والمطالبة بالمحاسبة ليست انتقاصاً من القيادة، بل هي تأكيد أن المسؤولية العامة تكليف لا تشريف، وأن كل من يتولى موقعاً تنفيذياً إنما يتولى أمانة يسأله عنها القانون والضمير والوطن.
وليس مقبولاً أن يظل المواطن الحلقة الأضعف في معادلة القرار والتنفيذ؛ يدفع ثمن ارتفاع الأسعار، ويقف في صفوف الخبز والوقود، ويعجز عن توفير ضروريات أسرته، بينما تتعدد الجهات وتضيع المسؤولية بينها. إن كرامة المواطن تقتضي أن يعرف من المسؤول، وما الذي يجري، وما الذي ستفعله الدولة لتخفيف معاناته.
إننا لا نطلب دولة من الشعارات، بل دولة المؤسسات؛ ولا نطلب قرارات أكثر عدداً، بل قرارات أكثر فاعلية؛ ولا نطالب بمحاسبة انتقامية، بل بمساءلة عادلة تستند إلى الدليل، وتفرق بين الخطأ الإداري، والعجز، والإهمال، والتواطؤ إن ثبت، وتضع لكل حالة ما يناسبها من علاج أو جزاء.
فالدولة القوية ليست التي لا تُسأل، بل التي تجيب عن الأسئلة الصعبة، وتواجه أوجه القصور بشجاعة، وتصحح أخطاءها قبل أن تتحول إلى أزمات أكبر.
إن القرار الذي لا يجد طريقه إلى التنفيذ يظل حبراً على ورق، أما القرار الذي تحرسه المتابعة والمحاسبة والشفافية، فإنه يصبح أملاً يتحول إلى حياة.
وللوطن علينا أن نرفع صوت السؤال المسؤول، لا لنزرع الشك، بل لنستعيد الثقة؛ ولا لنضعف مؤسسات الدولة، بل لنقويها؛ ولا لنحمّل طرفاً مسؤولية لم تثبت عليه، بل لنصل إلى الحقيقة التي لا يستقيم الإصلاح من دونها.
فمن يعطل القرار؟ وأين تتوقف سلسلة التنفيذ؟ ومن يملك الإجابة بالأرقام والوقائع؟ تلك هي الأسئلة التي ينبغي أن تبدأ بها مراجعة جادة، لأن المواطن لم يعد يحتمل أن تبقى حياته معلقة بين قرار يُعلن، وتنفيذ لا يراه.
يتبع في الجزء الثاني: حين تتحول الأزمات المعيشية إلى باب للثراء على حساب المواطن.
بقلم: أبوعبيدة أحمد علي عباس
البريد الإلكتروني: abuobidaabass949@gmail.com
00201147373693 — 00201096351339



