مقالات الظهيرة

(مَدَارُ الفهم) فهمي إبراهيم يكتب… منعت أمريكا التأشيرة… فخرج السودان من ورقة سفر إلى سؤال سيادة ومسؤولية

كان يفترض أن تنتهي الحكاية عند تأشيرة لم تصدر… لكنها بدأت من الخرطوم.

 

قرار أمريكي بمنع تأشيرة الدخول عن رئيس مجلس السيادة والقائد العام للقوات المسلحة الفريق أول ركن عبدالفتاح البرهان للمشاركة في اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، فتح في الداخل السوداني نقاشا أكبر من السفر نفسه.

 

خرجت الجماهير في الخرطوم دعما للبرهان والقوات المسلحة، وارتفع الصوت الرافض لأن تتحول الضغوط الخارجية إلى وسيلة للتأثير على القرار السوداني.

 

التأشيرة كانت وثيقة سفر… لكن الحشد جعلها عنوانا للسيادة.

 

وهنا تكمن المفارقة.

 

قد تستطيع دولة أن تتحكم في حدودها وإجراءات دخولها، وهذا شأن سيادي لها، لكن التعامل مع القرار باعتباره ضغطا على الموقف السوداني جعل الشارع يرد بطريقته: قرار السودان يجب أن يناقش في السودان، ومستقبل السودان لا ينبغي أن يُرسم خارج السودان.

 

لكن الحشد، مهما كان حجمه ودلالته، لا ينبغي أن يتحول إلى نهاية السؤال.

 

بل إلى بدايته.

 

لأن الجماهير التي ترفع راية السيادة تضع القيادة أمام مسؤولية أكبر: ماذا ستفعل بهذه السيادة؟

 

هل تتحول إلى دولة أكثر تماسكا؟

هل تتحول إلى حماية حقيقية للمواطن؟

هل تتحول إلى طريق واضح لإنهاء الحرب؟

هل تتحول إلى سلام يحفظ وحدة السودان وكرامة شعبه؟

 

هنا لا تكفي الشعارات.

 

فالسيادة ليست فقط أن تقول القيادة «لا» للخارج؛ السيادة أن تستطيع أن تقول للشعب «نعم» في الداخل.

 

نعم للأمن.

نعم لحماية المدنيين.

نعم لمؤسسات الدولة.

نعم لسلام لا يُفرض من الخارج ولا يُغلق بابه من الداخل.

 

والحشد الذي خرج دعما للقيادة لا يمنحها حصانة من السؤال، بل يرفع سقف السؤال.

 

فمن يطلب من العالم احترام القرار السوداني، عليه أن يجعل هذا القرار جديرا بالاحترام.

 

ومن يستند إلى الجماهير، عليه أن يحول ثقتها إلى مسؤولية وإنجاز.

 

التأييد الشعبي سند… لكنه ليس شيكا على بياض.

 

لهذا لا ينبغي أن تتحول قصة التأشيرة إلى معركة شخصية بين البرهان وواشنطن.

 

المسألة أكبر من الأشخاص.

 

إنها تتعلق بسودان يريد أن يتعامل مع المجتمع الدولي من موقع الدولة، لا من موقع الوصاية؛ يقبل الحوار والوساطة حين تخدم السلام، ويرفض أن تتحول أي مبادرة خارجية إلى حق حصري في تحديد مستقبله.

 

وهنا تأتي «لا» الرابعة.

 

ليست «لا» للعالم.

 

وليست «لا» للسلام.

 

وليست «لا» للحوار.

 

إنها:

 

لا لأن يُكتب مستقبل السودان خارج السودان.

 

وفي المقابل، هناك «نعم» لا تقل أهمية:

 

نعم لمسؤولية القيادة عن القرار الذي تطالب الآخرين باحترامه.

 

فقد تمنع واشنطن تأشيرة، وقد تفتح أو تغلق دولة أخرى أبوابها، لكن المعركة الحقيقية ليست في الوصول إلى نيويورك.

 

المعركة الحقيقية أن يصل السودان إلى دولة آمنة، موحدة، مستقرة، وصاحبة قرار.

 

وهنا فقط يصبح الحشد أكثر من صورة، والتأشيرة أكثر من ورقة، والسيادة أكثر من شعار.

 

منعت أمريكا التأشيرة… فخرج السودان.

 

والآن ينتظر السودان من قيادته أن تجعل هذا الصوت دولةً لا مجرد لحظة.

 

وهذه… لا رابعة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى