مقالات الظهيرة

من يحكم مستقبل التعليم في السودان؟ ثماني قوى تتصارع على تشكيل جيل ما بعد الحرب… قراءة استراتيجية في ملامح التعليم السوداني بين التكنولوجيا والسياسة والمجتمع

سلسلة مقالات السودان أولاً قراءات استراتيجية

___________

*”من يحكم مستقبل التعليم في السودان؟ ثماني قوى تتصارع على تشكيل جيل ما بعد الحرب”*

*قراءة استراتيجية في ملامح التعليم السوداني بين التكنولوجيا والسياسة والمجتمع*

————

*بقلم🖋️ الدكتور محمد عوض محمد متولي*

*المحلل والاكاديمي والخبير الاقتصادي المشارك بمركز الخبراء للدراسات الإنمائية وتحليل الأزمات*

*أغسطس 2026م*

___________

لم يعد السؤال عن مستقبل التعليم في السودان سؤالاً تربوياً بحتاً، بل صار سؤالاً وجودياً عن مستقبل الدولة نفسها. فالتعليم هو الركيزة التي تُبنى عليها الحضارات، وهو الحصن الذي تصمد فيه المجتمعات أمام العواصف العلمية والتكنولوجية والاقتصادية. وفي عالم يتغير كل ستة أشهر بفعل الذكاء الاصطناعي والتعلم الرقمي والمهارات الجديدة، لم يعد مصير العام الدراسي قراراً لوزارة التربية وحدها، بل بات ملفاً تتصارع على صياغته ثماني قوى متداخلة، لا يمكن فصل واحدة منها عن الأخرى.

 

تبدأ المعركة بالتكنولوجيا. لقد تحولت من أداة مساعدة إلى المحرك الرئيسي لإعادة تشكيل التعليم. فالمدارس لم تعد أسواراً من الطوب فحسب، بل أصبحت منصات رقمية تتيح الوصول إلى المعرفة في أي زمان ومكان. وتطبيقات الذكاء الاصطناعي والواقع الافتراضي وتحليل البيانات الضخمة لم تعد رفاهية، بل ضرورة لتحسين جودة التعليم وتخصيصه وفق احتياجات كل متعلم. وهذا التحول يكتسب أهمية مضاعفة في السودان، حيث تشير تقديرات اليونيسف إلى أن 8 ملايين طفل غير ملتحقين بالمدارس حالياً، وأن 6400 مدرسة مغلقة تماماً ولا تقدم أي خدمات تعليمية. في هذا الفراغ يصبح التعليم الإلكتروني والتعلم عن بعد طوق نجاة، لا بديلاً.

 

لكن التكنولوجيا وحدها لا تصنع أمة. يبقى المعلم هو القوة الثانية والأكثر تأثيراً. فمهما تقدمت الخوارزميات، يظل المعلم هو الموجه والمرشد وميسر التعلم، وصانع القيم ومهارات التفكير والإبداع. ومع ذلك يواجه المعلم السوداني اليوم أزمة غير مسبوقة. فقد أكدت تقارير دولية أن آلاف المعلمين بلا أجور، وأن وزارة المالية لم تلتزم بصرف رواتبهم في معظم الولايات. وفي المقابل، أطلقت اليونسكو بالشراكة مع الوزارة ورشاً تدريبية في التعليم في حالات الطوارئ والتعليم الإلكتروني لبناء قدرات الكوادر. وهذا يعني أن مستقبل التعليم يتوقف على قدرة الدولة على حماية المعلم وتأهيله، لا على استبداله.

 

القوة الثالثة هي المتعلم نفسه. لقد انتقل من موقع المتلقي السلبي إلى شريك فاعل في بناء المعرفة. ومستقبل التعليم مرهون بقدرته على التعلم الذاتي والبحث والتكيف مع المتغيرات. وهنا تكمن المفارقة السودانية: فاليونسكو تستهدف عبر “الخطة الانتقالية للتعليم” إعادة دمج نحو 80% من أصل 17 مليون طفل وشاب انقطعوا عن الدراسة بسبب الحرب. أي أننا لا نتحدث عن تطوير متعلم جاهز، بل عن إنقاذ جيل كامل من الضياع. وقد وصفت اليونيسف الوضع بأنه “على وشك أن يصبح موطناً لأسوأ أزمة تعليمية في العالم”.

 

أما القوة الرابعة فهي المناهج. فهي الإطار الذي يحدد المعارف والمهارات والقيم. ومع تسارع سوق العمل، لم يعد كافياً أن نُدرّس الحفظ والتلقين. المطلوب مناهج تركز على المهارات الحياتية والرقمية والابتكارية إلى جانب المعارف الأكاديمية. وقد أعلنت وزارة التربية والتعليم أن عام 2026م سيكون عاماً للتعليم الفني في السودان، في إشارة واضحة إلى أن المناهج يجب أن ترتبط بسوق العمل وفرص التشغيل لا بالشهادات فقط.

 

وتأتي الأسرة كقوة خامسة لا يمكن تجاوزها. فهي المؤسسة التربوية الأولى وصانعة الدافعية. في ظروف الحرب والنزوح، أصبح دور الأسرة مضاعفاً، خاصة مع وجود أكثر من 5 ملايين طفل اضطروا للنزوح من منازلهم وانقطعت صلتهم بالمعلمين. وهنا يصبح التعاون بين الأسرة والمدرسة مسألة بقاء، لا رفاهية.

 

القوة السادسة هي السياسات التعليمية. فهي التي تحدد الأهداف والموارد والبنية التحتية. وقد أطلقت اليونسكو “الخطة الانتقالية للتعليم في السودان” بميزانية تبلغ 400 مليون دولار، بهدف توفير بيئة تعليمية آمنة وتحسين جودة المناهج وتعزيز البنية التحتية. لكن التحدي أن هناك فجوة تمويلية تبلغ 272 مليون دولار تحتاج إلى سد عاجل. كما أن الحكومة أعلنت فتح 5 آلاف وظيفة جديدة في قطاع التعليم بولاية الخرطوم وحدها، وهو مؤشر على أن السياسات بدأت تتحرك من الورق إلى التنفيذ.

 

القوة السابعة هي المجتمع. فثقافة المجتمع وقيمه واحتياجاته التنموية هي التي تحدد هل يكون التعليم أولوية أم آخر الاهتمامات. وغياب الأطفال عن المدرسة لأكثر من عامين يقلل فرص عودتهم ويؤثر على نموهم الأكاديمي والاجتماعي والعاطفي. كما أن استخدام 11% من المدارس كملاجئ للعائلات النازحة، يعكس كيف يتحول المجتمع والدولة معاً إلى طرف في معادلة التعليم.

 

وأخيراً تأتي الشراكات العالمية كقوة ثامنة وحاسمة. ففي ظل العولمة لم يعد أي بلد قادراً على النهوض وحده. وتشارك في تمويل الخطة الانتقالية الشراكة العالمية من أجل التعليم بمبلغ 38 مليون دولار، والبنك الدولي بـ 41 مليون دولار، والاتحاد الأوروبي وبنك التنمية الأفريقي. كما أطلقت مؤسسة “التعليم فوق الجميع” واليونيسف برنامجاً بقيمة 3.3 مليون دولار لإعادة أكثر من 158 ألف طفل إلى مقاعد الدراسة. هذه الشراكات لا توفر المال فقط، بل تنقل الخبرات والمعايير الدولية التي يحتاجها السودان لاستعادة مكانته. 6c7eb65a

 

إن الصورة التي تتشكل الآن تقول بوضوح: مستقبل التعليم في السودان لا تحكمه وزارة ولا منظمة ولا معلم بمفرده. هو نتاج تفاعل معقد بين التكنولوجيا والمعلم والمتعلم والمناهج والأسرة والسياسات والمجتمع والشراكات. وكل خلل في حلقة يهدد السلسلة كلها.

 

الخاتمة لا تحتمل الرمادية. فإما أن ننجح في تحقيق التوازن والتكامل بين هذه القوى الثماني، ونعيد بناء نظام تعليمي ينتج جيلاً مبدعاً قادراً على المشاركة في إعادة الإعمار، وإما أن نترك الفراغ فيتسع، ونخسر جيلاً كاملاً لا يمكن تعويضه. وكما قالت اليونيسف: “لا يمكننا أن ندير ظهرنا لهذه المأساة”. فالتعليم ليس استثماراً في المستقبل، بل هو المستقبل نفسه. ومن يحكم التعليم اليوم، هو من سيحكم السودان غداً.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى