من صمود الرمال إلى صلابة الجنيه: برنامج السيادة النقدية والإنتاجية….كيف تتحول الشائعة إلى وقود بناء حين تتحول السيادة إلى درع اقتصادي قابل للقياس(2-2)

د. محمد عوض محمد متولي
المحلل والأكاديمي والخبير الاقتصادي المشارك بمركز الخبراء للدراسات الإنمائية وتحليل الأزمات
إذا كانت معركة الأبيض قد كشفت كيف تتحول الشائعة إلى قذيفة معنوية تستهدف مدينة بأكملها، فإن معركة الجنيه تكشف كيف يمكن تحويل ذات الشائعة إلى وقود بناء إذا توفرت السيادة النقدية والإنتاجية.
فالشائعة التي أسقطت سعر الدولار 18% في 72 ساعة قادرة على أن ترفع الاحتياطي 31% في 12 شهراً، إذا امتلكنا برنامجاً رقمياً لا خطابياً، وبرهاناً ميدانياً لا شعاراتياً. والسؤال الآن ليس لماذا نهاجم، بل كيف نبني، وبأي أرقام، وفي أي أفق زمني.
إن جوهر الأزمة النقدية السودانية ليس في طباعة الورق، بل في هروب القيمة. فالسودان ينتج سنوياً وفق آخر تقديرات مركز الخبراء للدراسات الإنمائية وتحليل الأزمات ما بين 62 إلى 74 طناً من الذهب، يصل البنك المركزي منها عبر القنوات الرسمية أقل من 11%، أي ما يعادل 6.8 طناً فقط، بينما يهرب الباقي ويُباع في دبي وأسمرا ونيامي بالدولار، ثم يُعاد ذلك الدولار إلى السوق الموازي لكسر الجنيه.
وهذا يعني أننا نصدر قوة نقدية تعادل 4.7 مليار دولار سنوياً، ثم نستورد بها المضاربة ضد عملتنا. الحل إذن ليس أمنياً محضاً، بل مصرفياً إنتاجياً. وتكمن الفكرة في إنشاء “نافذة الذهب السيادي” تمنح المنتج سعراً عالمياً ناقص 2% فقط، مع تسليم فوري بالجنيه وتحويل لحظي للمغترب، وضمان بيع مباشر للبنك المركزي. بهذه الآلية، ووفق نماذج المحاكاة الاقتصادية للمركز، يمكن استعادة 35 طناً سنوياً على الأقل خلال 14 شهراً، أي ما يعادل 2.4 مليار دولار تدخل الاحتياطي مباشرة.
وترفع نسبة غطاء الجنيه من 17% حالياً إلى 48%، وهو مستوى يصنع الفارق بين عملة تتذبذب وعملة تستقر. كل طن ذهب إضافي يدخل الاحتياطي يخفض الطلب على الدولار في السوق الموازي بنسبة 1.1%، أي أن 35 طناً تخفضه بنسبة 38.5%، وهو ما يعيد الجنيه إلى نطاق 1450 إلى 1520 جنيهاً للدولار خلال 18 شهراً إذا اقترن ذلك بإجراءات أخرى.
ولا يمكن فصل استقرار الجنيه عن بنية الإنتاج، لأن الاقتصاد الذي يستورد 83% من غذائه هو اقتصاد يستجدي الدولار، والاقتصاد الذي ينتج غذاءه يصنع جنيهه. ولذلك فإن توجيه 60% من موارد الصرف السيادي نحو ثلاثة قطاعات هو قرار نقدي قبل أن يكون زراعياً.
فإذا استهدفنا زراعة مليون فدان قمح مروي في الشمالية ونهر النيل، فإن متوسط إنتاجية الفدان في السودان وفق تجارب شركة زادنا 2024م بلغ 1.2 طن، أي مليون ومائتي ألف طن قمح، توفر 380 مليون دولار كانت تذهب للاستيراد، وتخفض الطلب على الدولار بنسبة 6.3%.
وإذا رفعنا صادر الماشية الحية من 2.1 مليون رأس إلى 3.2 مليون رأس عبر محاجر بيطرية معتمدة، فإن كل رأس يدر 620 دولاراً، أي 682 مليون دولار إضافية. وإذا زدنا إنتاج السمسم إلى 1.8 مليون طن عبر حزم تقاوي محسنة، فإن كل 100 ألف طن إضافية تدر 140 مليون دولار. مجموع هذه الأرقام 1.2 مليار دولار سنوياً من الإنتاج، وهو ما يعادل 79% من فجوة السوق الموازي الحالية. وكل زيادة 10% في الإنتاج الصناعي التحويل للأغذية والزيوت والجلود تخفض الطلب على الدولار بنسبة 7.4%، لأنها تحل محل استيراد بقيمة 430 مليون دولار.
أما المورد الثالث والأخطر، فهو المغترب السوداني. فتقديرات بنك السودان تشير إلى أن تحويلات السودانيين بالخارج تبلغ 1.6 مليار دولار سنوياً، منها 340 مليون دولار فقط عبر القنوات الرسمية، أي بنسبة 21.2%، والباقي 1.26 مليار دولار يذهب للسوق الموازي ويشكل الوقود الأساسي لانهيار الجنيه. هذه الفجوة لا تُسد بالخطابة، بل بحزمة حوافز مصرفية تنافسية.
سعر صرف تفضيلي للمغترب بفارق 3% عن السوق الموازي، وإعفاء جمركي بنسبة 15% على التحويلات التي تزيد عن 5 آلاف دولار، وحساب ادخار بالدولار يدر عائداً 4% سنوياً، مع إمكانية السحب بالجنيه بسعر اليوم. ووفق تجربة بنغلاديش 2021م وباكستان 2022م، فإن مثل هذه الحزمة ترفع نسبة القنوات الرسمية من 21% إلى 69% خلال 12 شهراً. أي أن السودان يستطيع استعادة 1.1 مليار دولار إلى النظام المصرفي، فيسد 88% من فجوة السوق السوداء، ويكسر ظهر المضارب الذي يعيش على هذه الفجوة.
وهنا يأتي دور القصاص الاقتصادي من المضاربة، لأن المضاربة ليست جريمة سوق، بل جريمة سيادة.
فالتاجر الذي يشتري الدولار بـ 1987 جنيهاً ويبيعه بـ 2100 جنيه في اليوم التالي يحقق ربحاً 113 جنيهاً للدولار الواحد، أي 5.6% يومياً، وهو ما يعادل 2040% سنوياً مركبة. هذا الربح الأسطوري لا يأتي من إنتاج، بل من فراغ.
ولذلك يجب تجفيف منابعه عبر ثلاثة إجراءات متزامنة: رقمنة كاملة لسوق الصرف بربط كل مكتب صرافة بالبنك المركزي لحظياً، فلا يمكن أن يباع دولار بسعر مختلف عن السعر اللحظي للبنك، وعقوبة اقتصادية تتمثل في مصادرة 200% من أرباح المضاربة وتحويلها لصندوق دعم الإنتاج، وإنشاء بورصة سلعية إلكترونية شفافة لكسر احتكار السكر والدقيق والزيت الذي يستخدم كأداة ضغط نقدي.
ولأن تكلفة الإنتاج هي تكلفة نقدية في جوهرها، فإن محور الطاقة يصبح محوراً نقدياً. فكل زيادة دولار واحد في سعر جالون الجازولين ترفع تكلفة ري الفدان بنسبة 11%، وترفع تكلفة نقل القمح من الحقل إلى المطحن بنسبة 9%.
والحل هو التوسع في الطاقة الشمسية بأقساط ميسرة 5 سنوات بفائدة 2% فقط. فتركيب 400 ميقاواط شمسية للقطاع الزراعي في مشروعات الجزيرة والرهد وحلفا الجديدة يخفض فاتورة الجازولين بـ 190 مليون دولار سنوياً، ويرفع هامش ربح المزارع بنسبة 18%، فيبيع بالجنيه ولا يهرب بالدولار. وكل ميقاواط شمسي يوفر 475 ألف دولار سنوياً من فاتورة الوقود المستورد، أي أن 400 ميقاواط توفر ما يعادل 12.6% من فاتورة استيراد المشتقات النفطية.
ولكن كل هذا ينهار إذا انهارت الثقة، ولذلك فإن محور السردية هو محور السيادة الأخير. فالشائعة لا تُكذب بالتكذيب فقط، بل تُكذب بالبرهان. حملة “جنيهك سيادتك” يجب أن تُدار كغرفة عمليات عسكرية: فريق يرد خلال 90 دقيقة على أي شائعة ببيان رقمي.
وبث يومي لأسعار السوق الرسمي والاحتياطي وكميات الذهب الداخلة، ومؤشر متولي للسيادة يصدر كل أسبوعين ويقول للمواطن بوضوح: الجنيه قوي بنسبة كذا لأن الاحتياطي زاد بكذا، والإنتاج ارتفع بكذا. فالمواطن لا يصدق الشعارات، بل يصدق الأرقام التي يراها في سعر الرغيف وسعر الدواء.
إن كل هذه المحاور تقودنا إلى ثلاثة سيناريوهات مستقبلية لا رابع لها. السيناريو الأول هو سيناريو السيادة، وهو تطبيق البرنامج كاملاً.
وفيه يستقر الجنيه عند نطاق 1450 إلى 1520 جنيهاً للدولار خلال 18 شهراً، ويرتفع الاحتياطي إلى 3.8 مليار دولار، ويتراجع حجم السوق الموازي إلى أقل من 4% من التداول، وتتحول الأبيض من مدينة محاصرة إلى عاصمة تصدير زراعي.
السيناريو الثاني هو سيناريو الجمود، وهو تنفيذ جزئي انتقائي. وفيه يتذبذب الجنيه بين 1800 و2100 جنيه، ويستمر السوق الموازي بنسبة 22%، وتستمر الشائعات الموسمية، وهو سيناريو بقاء بلا بناء. أما السيناريو الثالث فهو سيناريو الانهيار، وهو استمرار تهريب الذهب وتراجع الإنتاج وتكبر المضاربة. وفيه يتجاوز الجنيه حاجز 3000 جنيه، وتفقد الأسر 60% من قوتها الشرائية، وتتحول الشائعة من سلاح نفسي إلى واقع اجتماعي، وهذا هو الهدف النهائي للقوى التي فشلت في إسقاط الأبيض بالسلاح.
إن الخلاصة التي لا تحتمل التأويل هي أن الأبيض رمز لصمود الأرض، والجنيه رمز لصمود الاقتصاد.
ومن دافع عن الأولى بالبندقية يجب أن يدافع عن الثاني بالإنتاج والثقة والسيطرة على المرفق. فالذين فشلوا في إسقاط السودان بالسلاح لن ينجحوا في إسقاطه بالشائعة إذا امتلكنا إرادة سياسية تربط الأمن بالإنتاج، ورؤية اقتصادية تربط الجنيه بالذهب، وتكاتفاً شعبياً يحول العملة من ورقة إلى سيادة. فمن كسر العطش كسر الحرب، ومن بنى المرفق بنى الدولة، ومن صلب الجنيه صلب الوطن.



