(من أعلي المنصة) ياسر الفادني يكتب… الكرمك… المدينة التي كلما نهضتَ ذبحوها من جديد!!
الكرمك…تلك المدينة الجميلة التي خُلقت لتكون وادعة مثل أهلها، طيبة مثل وجوه ناسها، مسالمة كأغنيات المساء في طرقاتها، مدينة لم تعرف يومًا معنى الحقد، لكنها عرفت جيدًا معنى أن تكون ضحية
مأساة الكرمك أنها ظلت دائمًا واقفة في مرمى الخيانة، كلما ادلهمّ ليل السودان، كانت هي أول مدينةٍ تتلقى الطعنة، وأول بيتٍ تشتعل فيه النار، وأول شارعٍ تدوسه أقدام المرتزقة
في عهدٍ مضى، دخلها التمرد مدعومًا ومسنودًا،فاستُبيحت المدينة عن بكرة أبيها، تحولت الكرمك يومها إلى مدينةٍ بلا روح، خرائب صامتة، وبيوتٍ تنظر إلى بعضها بحزن، حتى حين عادت بعد اتفاقية الانفصال، لم تعد كما كانت فورًا؛ احتاجت إلى من يوقظ نبضها من تحت الرماد، جاءها ضابط إداري فوجدها خاويةً على عروشها، مدينةً فقدت ملامحها، لكنه تمسك بخيط الأمل، ومع الأيام عادت الكرمك تتنفس من جديد، وعاد الناس يزرعون الحياة في شوارعها
لكن يبدو أن لعنة الخيانة لا تملّ من هذه المدينة.
ها هي الأيام تدور، ويعود المشهد ذاته، بنفس الوجوه تقريبًا، بنفس الرائحة الثقيلة للخيانة والعمالة والارتزاق، ذات الدولة التي دعمت التمرد بالأمس، عادت اليوم لتنفخ في نار الخراب مرة أخرى، وكأن الكرمك كُتب عليها أن تدفع ثمن أطماع الآخرين كل مرة
الذين تناوبوا على استباحتها لم يجمعهم مشروع وطن، بل جمعهم شيء واحد: بيع البلاد لمن يدفع أكثر.
حفنة من المرتزقة الذين استبدلوا تراب الوطن بحفنة مال، وظنوا أن المدن تُشترى وأن الأوطان تُباع في أسواق العمالة
ما ذنب الكرمك؟
ما ذنب مدينةٍ كلما حاولت أن تضمّد جراحها، جاء من يفتحها بسكين جديدة؟
ما ذنب أهلها الذين لا يريدون سوى حياة آمنة، أن يتحولوا في كل مرة إلى ضحايا لمعارك القتلة والطامعين؟
لا شك أن الكرمك اليوم تنزف.
ولا شك أن الخراب قد مرّ عليها من جديد، وأن الجنجويد تركوا فيها ما يتركونه دائمًا من وجعٍ ورمادٍ وبيوتٍ خائفة، لكن التاريخ علّمنا شيئًا مهمًا: المدن الحقيقية لا تموت
الكرمك ليست مجرد مبانٍ تُهدم، بل روح شعبٍ يعرف كيف ينهض من تحت الركام ، سوف تعود الكرمك كما عادت من قبل، وسوف يرجع أهلها إلى بيوتهم، وسوف تُفتح الأسواق من جديد، وسوف يضحك الأطفال في الأزقة التي أرادوا لها أن تصمت إلى الأبد،
أما الذين استباحوا المدينة، فسوف يذهبون كما ذهب غيرهم
إني من منصتي أنظر … حيث اري .. أن كل الطغاة مرّوا من هنا وتركوا خلفهم اللعنة، لكن المدن بقيت، هي المنية يا سيدتي الكرمك…لكن المدن العظيمة لا تموت حين تنهشها الأظافر، بل تزداد صلابة، وتعود أكثر قدرةً على الحياة.



