مقالات الظهيرة

معاوية السقا يكتب… حين يصبح الميناء مقصلة.. لماذا حان وقت إعدام اقتصاد الحاويات؟

هناك دول تبني مصانع، ودول تبني مخازن. السودان ظل لعقود أسيراً للنوع الثاني. اقتصاد الحاويات الذي صنعه لوبي الاستيراد حول الوطن إلى سوق استهلاكي مفتوح، لا ينتج إلا الفواتير والديون والتبعية.

 

المشكلة ليست في البضاعة القادمة من الخارج. المشكلة في العقلية التي أقنعتنا أننا عاجزون عن إنتاجها. عقلية جعلت من التاجر الوسيط قديساً، ومن المهندس والفلاح والمصنّع هامشاً على هامش. فصار ربح من يشحن أكثر من ربح من يزرع ويصنع ويبدع.

 

انظر إلى المفارقة: نصدّر الخام بثمن بخس، ثم نستورد منه منتجاً نهائياً بعشرة أضعاف الثمن. نبيع القطن، ونشتري القميص. نبيع السمسم، ونشتري الزيت. هذه ليست تجارة، هذه عملية استنزاف ممنهجة يرعاها لوبي يعرف أين يضرب: في جيب المواطن، وفي عزيمة الدولة.

 

الآن، حين تتجه الدولة نحو تقليص الاستيراد العشوائي، يصرخ اللوبي باسم “حرية السوق”. أي حرية هذه التي تحتكر فيها قلة مفاصل الميناء والعملة والقرار؟ أي سوق حر هذا الذي يجعل المواطن مخيّراً بين بضاعة غالية مستوردة أو لا شيء؟

 

حماية المنتج الوطني ليست عداءً للعالم. هي ما فعلته كل الأمم التي تحترم نفسها قبل أن تفتح أبوابها. كوريا حمت صناعتها حتى وقفت، تركيا منعت سلعاً كثيرة حتى اشتغلت مصانعها، والصين بنت سوراً من الرسوم قبل أن تغزو العالم. الفارق أنهم بدأوا مبكراً، ونحن بدأنا متأخرين.

 

الصناعة الوطنية ليست بديلاً رديئاً، بل هي الكرامة المؤجلة. هي أن تخلق وظيفة لابنك هنا بدل أن يهاجر ليخدم مصنع غيرك. هي أن يكون دواؤك في يدك فلا يبتزك أحد في التفاوض. هي أن تعود للمواطن ثقته بأنه قادر، وأن تعود للأرض مكانتها كمنتج لا كمستهلك.

 

المرحلة القادمة تتطلب شيئين: حماية ذكية لا تترك المواطن فريسة للاحتكار المحلي، وضرب التهريب الذي يسرق جهد الحماية. من يعرقل هذا الطريق اليوم لا يدافع عن السوق، بل يدافع عن امتيازاته على حساب السودان كله.

 

اقتصاد الحاويات انتهى زمانه. إما أن نصنع، وإما أن نبقى ندفع الثمن إلى الأبد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى