المنوعات

مستذكرة “حريق الباشا” ..شندي تحتفل بـ “طريقتها الخاصّة” بعيد الجيش 72

الظهيرة – د. ياسر عثمان أبو عمار:

لم يكن عيد الجيش في شندي هذا العام مجرد مناسبة تمر في التقويم، ولا احتفالاً عابراً تردد فيه الكلمات وتُرفع فيه الشعارات، وإنما جاء صورة حيّة لمعنى العلاقة الراسخة بين القوات المسلحة والشعب، وتجسيداً عملياً لشعار (جيش واحد.. شعب واحد)، الذي بدأ في شوارع المدينة حقيقة تمشي على الأرض، لا مجرد عبارةٍ تُقال في المنابر.

ففي مسيرة مهيبة، خرج طابور السير الخاص بالفرقة الثالثة مشاة شندي، من مقر الفرقة متجها إلى ميدان المولد، في مشهد استنفرت له المدينة مشاعرها وذاكرتها الوطنية، واستذكرت أيام (حريق الباشا).

الطابور العسكري الحماسي طاف أرجاء شندي، حاملاً رسالة واضحة بأن الجيش ليس مؤسسة منفصلة عن شعبه، بل هو امتدادٌ له، وأن الشعب حين تشتد المحن يعرف أين يقف، ومع من يقف، ولأجل ماذا يرفع صوته.

وكان للمقاومة الشعبية حضورها اللافت في هذه المسيرة، باعتبارها القوة الساندة للقوات المسلحة، حيث شاركت بوحداتها الإدارية الست، في لوحة عكست اتساع الالتفاف الشعبي حول القوات المسلحة، وروح الاستنفار التي صنعتها الظروف الراهنة.

وقد اكتسبت المشاركة معناها من كونها جاءت في مناسبة وطنية عزيزة، وفي مدينة عريقة ومقاتلة، تعرف جيداً قيمة الجيش ودوره في حماية الأرض وصون الدولة.

وفي مقدمة الموكب المهيب، كان اللواء الركن ياسر بلة حمد، قائد الفرقة الثالثة مشاة، يقود طابور السير بنفسه، في مشهدٍ يحمل أكثر من دلالة، إذ بدأ القائد “الجسور” بين جنوده وأهل مدينته، لا بعيداً عنهم، في صورة تجسد القيادة في الميدان، وتؤكد أن المسؤولية في أوقات الشدة لا تُلقى على الآخرين، بل تُحمل مع الرجال وفي مقدمتهم.

كما شارك في قيادة هذا المشهد العميد الركن الهيثم الطيب بابكر، رئيس المقاومة الشعبية بمحلية شندي، الذي جسد بحضوره موقع المقاومة الشعبية كقوةٍ مساندة للقوات المسلحة، ووجهاً من وجوه التلاحم الوطني الذي أظهرته شندي في هذه المناسبة، وقبلها أيام (زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر)، فكان في الموعد.

وزاد المشهد قوة وتشريفاً حضور السيد والي ولاية نهر النيل، الدكتور أحمد البدوي عبد الماجد، الذي خاطب الحشود بكلمات قوية ألهبت الحماس، وجددت المساندة للقوات المسلحة، وأكدت وقوف الولاية وشعبها خلف الجيش في هذه المرحلة العصيّة من عمر السودان. وكان حديثه تعبيراً صريحاً عن موقف شعبي ورسمي يرى في القوات المسلحة عنواناً للدولة وحامياً لسيادتها، ويؤكد أن معركة الوطن لا تُخاض بالمؤسسات وحدها، وإنما بإرادة الشعب كله.

ولعل اللافت في هذا المشهد أن السيد والي ولاية نهر النيل، الدكتور أحمد البدوي عبد الماجد، كان أول ولاة السودان الذين لبسوا الميري وامتشقوا الكلاش، في رسالة واضحة تؤكد أن القيادة في أوقات الشدة ليست كلمات تُقال، وإنما موقفٌ يُترجم حضوراً ومشاركةً ووقوفاً في مقدمة الصفوف، تأكيداً على دعمه للقوات المسلحة وتجسيداً صادقاً لشعار (جيش واحد.. شعب واحد). وشارك في المسيرة والطابور المدير التنفيذي لمحلية شندي الحاج بلة أحمد سومي.

وشهدت المسيرة مشاركة قيادات المقاومة الشعبية من مختلف الوحدات، وفي مقدمتهم المجاهد محمد عبدالوهاب ود الأسد، رئيس المقاومة الشعبية بجنوب شندي، ونائبه أحمد البرهان عبدالرحمن، إلى جانب رئيس المقاومة الشعبية بوحدة البسابير وقائد قطاع الشيخاب عبدالله عبدالرحمن الشيخابي، وسعادة الملازم أول أحمد عبدالله بله عيسى، قائد مستنفري وحدة البسابير الإدارية وقطاع الشيخاب القتالي.

وهكذا احتفلت شندي بعيد الجيش الثاني والسبعين بطريقتها الخاصة، احتفالاً لم يكن في ساحات الاحتفالات وحدها، بل في الشوارع والقلوب، وفي صورة الجيش وهو يسير بين الناس، والناس وهي تستقبل الجيش بالهتاف والمساندة.

كان المشهد رسالة واحدة واضحة وجليّة، جيش واحد.. شعب واحد، وأن شندي، في عيد الجيش، اختارت أن تقول كلمتها بطابور سير مهيب، وبحضور شعبي واسع، وبوفاء لقواتها المسلحة ورجالها الذين يحملون مسؤولية حماية الوطن في أصعب الظروف.

شندي الرسمية والشعبية أرت المجرمين (شندي حقّت أبو منو)، وقالت قولتها للتاريخ: أن العهد القديم موثّق، بدماء الشهداء، وأن ما بيننا والجيش عهد لا نكوث عنه ولا تراجع، ولسان الحال ما قال بن نهر النيل عكير الدامر:

عهدنا معاك كنداب حربة ما بتشلّخ

وصُرّة عين جبل ملوية ما بتفلّخ

كان إيدينا فيك من المسك تتملّخ

السما ينتكي وجلد النمل يتسلّخ

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى