(مسارب الضي) د. محمد تبيدي يكتب…. عندما يتهاوى مشروع الوكالة… في اليمن تسقط الأقنعة في السودان

وعلى حد قولي:
إذا انكشف الزيف في أول الطريق
تعثّر صاحبه ولو بعد حين
وما بُني على الدم والارتهان
مصيره السقوط ولو ظنّوه متين
إعلان وزارة دفاع «دويلة الشر» إنهاء ما تبقى من وجودها العسكري في اليمن «بمحض إرادتها» لا يخرج عن كونه محاولة متأخرة لتجميل هزيمة مكتملة الأركان. فاللغة المستخدمة في البيان، والمصطلحات المنتقاة بعناية، لا تعكس قوة قرار ولا سيادة موقف، بل تعبّر عن مأزق سياسي وعسكري عميق، فرضه فشل مشروع التدخل القائم على الوكالة والمرتزقة وشراء النفوذ.
الوجود العسكري لتلك الدويلة في اليمن لم يكن يوماً عملاً إنسانياً ولا مسعىً للاستقرار، بل كان جزءاً من هندسة فوضى إقليمية، غذّت الانقسام، وأطالت أمد الحرب، وراكمت الكلفة الإنسانية والسياسية. وحين عجز هذا الوجود عن تحقيق أهدافه، ولم يعد قادراً على فرض الوقائع بالقوة، جاء الانسحاب باعتباره الخيار الأخير، لا لأنه قرار شجاع، بل لأنه اعتراف صامت باستحالة الاستمرار.
هذه القراءة لا تكتمل دون ربطها بالسياق السوداني، حيث لعبت الدويلة ذاتها دوراً خطيراً في دعم مليشيا آل دقلو المتمردة، سياسياً ومالياً ولوجستياً، في محاولة لإعادة إنتاج نموذج الفوضى ذاته. الدعم الخارجي للمليشيا لم يكن سوى امتداد لمشروع إقليمي يراهن على تفكيك الدولة الوطنية، وإضعاف الجيوش النظامية، وصناعة كيانات موازية تُدار من الخارج وتُفرض على الداخل بالقوة.
حكومة «تأسيس» التي جرى الترويج لها كبديل سياسي ليست سوى واجهة رخوة لمليشيا مسلحة، تفتقد للشرعية، وتعادي الإرادة الشعبية، وتعتمد على السلاح والتمويل الخارجي لا على التفويض الوطني. هذا المشروع، مهما طال أمد الضجيج حوله، محكوم عليه بالانتهاء في السودان، لأن الأرض لا تقبل الغرس الغريب، ولأن الشعوب، مهما صبرت، لا تمنح شرعيتها للميليشيات.
ما يجري اليوم من انكشاف لدور الدويلة في اليمن، هو مؤشر على مسار آخذ في التراجع على مستوى الإقليم. فمشاريع العبث لا تعيش طويلاً، وعندما تتكسر أدواتها في ساحة، تنتقل عدواها إلى ساحات أخرى. السودان ليس استثناءً، لكنه يملك ما لم تملكه ساحات أخرى: جيشاً وطنياً، وقوات مشتركة، وتشكيلات مساندة صلبة تشكّلت من رحم المعركة دفاعاً عن الوطن والهوية.
القوات المسلحة السودانية، والقوات المشتركة، وفيلق البراء، ودرع السودان، وكل القوى المساندة للجيش، لا تقاتل من أجل سلطة عابرة، بل من أجل بقاء الدولة نفسها. هذا الفارق الجوهري هو ما يجعل النصر أمراً حتمياً، لا شعاراً. فالمعارك التي تُخاض دفاعاً عن الأرض والعرض والسيادة، قد تطول، لكنها لا تُهزم.
الرهان الخارجي على إنهاك السودان فشل، كما فشل من قبل في اليمن. والانسحابات التي تُقدَّم اليوم بوصفها قرارات سيادية، ستُقرأ غداً في كتب السياسة باعتبارها فصولاً من سقوط مشروع إقليمي قائم على التخريب لا البناء. السودان يتجه، رغم الجراح، نحو لحظة فرح قريبة، لأن النصر حين يتكئ على شعب وجيش، لا يكون إلا مسألة وقت.
وأنا سأكتب للوطن حتى أنفاسي الأخيرة….



