لواء ركن ( م ) د. يونس محمود محمد يكتب….الحبشة وتجريب المجرَّب!!
ظلت الحبشة جارَ سوءٍ، ضِئْرةً ترضع كل جروٍ لقيط، تحمله على ظهرها الآثم المثقل بالأوزار والخبث والخيانة، ليعضّ اليد السودانية التي طالما آوت الأحباش عبر حقب الصراع السرمدي في الحبشة، حتى أصبحوا كأنهم من المكوّن الاجتماعي السوداني.
وبرغم ما لاقاه السودان من تلقُّف الحبشة لكل معارضٍ سوداني وعميل، فإن الحدود السودانية–الحبشية لم تهدأ إلا فتراتٍ قليلة. فقد شهد العقد الثامن من القرن الماضي استيعابهم لتمرد جون قرنق، وفتح المعسكرات، والعمل بإسناد مباشر منها على ضرب المدن والبلدات السودانية الحدودية، خاصة الكُرْمُك وما جاورها، مما أوقع كثيرًا من الضحايا، وأدى إلى النزوح، وأثّر على الاستقرار.
واتخذت الحبشة من ذلك وسيلةً لتغيير نظام الحكم وفق مخططٍ وأدوات إنفاذه، ولكن بفضل الله، ثم الجيش السوداني، أُفشلت تلك المساعي، بل قُلبت الطاولة عليهم حين ظنّ منغستو هايلي مريام أنه قادر على إخضاع السودان. فعالجته عملية نوعية سُمّيت (الحجاب) بإسناد المعارضة، فانهار جيشه، واستجار بالسودان ليحميه من انتقام الثوار، ثم فرّ بطائرةٍ حربية إلى زمبابوي، حيث عاش منفيًا منبوذًا حتى هلك.
واستقلت إرتريا بذات الترتيبات السودانية، ولم يقف حد التأثير السوداني شرقًا، بل أُعينت المعارضة التشادية بقيادة إدريس دبي على السيطرة على الحكم في أنجمينا، وهروب حسين حبري إلى السنغال.
نقول هذا لنذكّر آبي أحمد، الذي باع بالرخيص وراهن على الخاسر، وهو الذي يقطن في بيتٍ من زجاج، تحيط به المشكلات من كل جانب، في بلدٍ ممزقٍ مرتهن، أهدَر استقراره بمعاداة جواره في السودان وإرتريا والصومال، وهو حامل جائزة نوبل للسلام.
إن المليشيا المدعومة، المحرَّضة لإنفاذ المشروعٍ الصهيوني التخريبي في السودان، قد آواها وفتح لها المعسكرات، واستقبل لها الدعم عبر المطارات، وهو يعلم استحالة تحقيق أهدافها مهما بلغ الدعم. فهذه المليشيا التي كانت تسيطر على مساحات واسعة من السودان، بما فيها العاصمة وولايات الوسط، تلوذ اليوم بأقصى دارفور وبعض مدن كردفان، تلعق جراح الهزيمة، وتعاني الانشقاقات، موسومةً بما اقترفت من جرائم لم يسبقها بها أحد، من سفك الدماء، وانتهاك الحرمات، ونهب الممتلكات، وإفسادٍ بإسرافٍ عجيب.
أما الكُرْمُك، فقد كان قدرها أن تتمترس على ربوتها على الحدود، لتكون أول من يلاقي حراب العدو، وكلما غابت في جُبّ التآمر، أشرقت كالشمس من جديد. وعهدها أن تبقى سودانيةً حرة، ولاسمها حضورٌ في وعي أهل السودان. وعلى شرافة لوحها قوائم الشهداء، ممن اصطفاهم الله، وعلى أديمها توقيعات البطولات والفداء، وما يزال صداها يتردد في تلك الآكام كأنه أذان فلاحٍ خالدٍ سرمدي.
فهي تمقت الغرباء الغزاة، وتلفظهم بقسوة وازدراء، فلم يلبث فيها معتدٍ إلا قليلًا، وعلى توجسٍ ومخافة.
إن آبي أحمد، الذي تقاضى الأجر وأصبح مطالبًا بالسداد، عبر عملٍ عسكري مكشوف ضد السودان، بعد أن عجزت المليشيا عن التوغل وحدها، قد أصبح مدينًا للسودان، وسيلزمه السداد من جنس العمل. ومع ذلك، ظل السودان يترفع بما عُرف عنه من التزامات أخلاقية، ورجاء أن يثوب إلى رشده، ويرعوي عن العدوان.
أما وقد بلغ الأمر هذا الحد من العدوان السافر، فإن للسودان موعدًا لن يُخلفه، بدعم وإسناد القوى المناوئة لسياسات الظلم، بمختلف واجهاتها، ومن أبرزها:
الجبهة الشعبية لتحرير تقراي (TPLF): قوة سياسية–عسكرية قادت إقليم تقراي سابقًا، وتعد من أبرز خصوم الحكومة الإثيوبية في السنوات الأخيرة.
جيش تحرير أورومو (OLA): فصيل مسلح ينشط في إقليم أوروميا، ويعبر عن مطالب قومية وسياسية لشعب الأورومو.
قوات فانو (FANO): تشكيلات شعبية مسلحة في إقليم أمهرة، برزت في الصراعات الداخلية ولها ثقل ميداني مؤثر.
تحالف القوى الفدرالية الإثيوبية: مظلة تضم عدة حركات معارضة تطالب بإعادة هيكلة الدولة على أسس فدرالية حقيقية.
جبهة عفار الديمقراطية: تمثل مصالح إقليم عفار وتسعى لانتزاع حقوقه السياسية والاقتصادية.
حركة أغاو الديمقراطية: تعبر عن قومية الأغاو وتطالب بتمثيل أوسع في الحكم.
حركة بني شنقول الشعبية للتحرير: تنشط في إقليم بني شنقول–قمز، وتتبنى قضايا التهميش والتنمية.
وهي جميعها فصائل معارضة تحمل السلاح في وجه هذا النظام، بما يؤكد حجم المعارضة التي يواجهها، وطبيعة الأزمات التي تحيط به من كل جانب.
أبطال الفرقة الرابعة الدمازين، وتشكيلات إسنادهم، لا يحتاجون إلى وصية؛ فالحكيم لا يُوصى.
وموفور ثقة الشعب المجاهد بأن الكُرْمُك ستتلقف ما يأفكون، ولا مقام لهم فيها إلا ليبرزوا إلى مصارعهم تحت ضربات جندنا، الغالبين بحول الله.
فالدخول إلى السودان عبر بوابة النيل الأزرق كمدّ الذراع لملامسة سقف السماء.
خسئتم، يوم أُخرجتم من بوابة خزان جبل أولياء في مسيرة الذل والانكسار.
وليس بينكم وشعب السودان إلا السيف،
ومن قال بغير ذلك فقد خالف وكذب.
والله غالبٌ على أمره .



