مقالات الظهيرة

(قعقعة الحروف) د. عمر الفاروق حسن صالح قيلي. يكتب.. مقصلة الخوارزميات واغتيال الرموز بدقة 4K

​الحلقة الأولى

 

​أفتتح اليوم عبر عمودي (قعقعة الحروف) ملفاً على قدرٍ كبير من الخطورة، يتعلق بزاوية معتمة من أروقة التكنولوجيا الحديثة. لم تعد الحروب في عصرنا تُدار بالمدافع والبارود فحسب، بل أصبحت تُدار عبر الشاشات الذكية ومن خلال خوارزميات “التزييف العميق”؛ تلك التي تحولت إلى خناجر تُغرس في صدور الأبرياء، ومقصلة رقمية تُدار بدم بارد لاغتيال الشخصيات العامة، وتشويه صورة المشايخ والقدوات، وزعزعة التماسك الأخلاقي للمجتمع.

​نفتح هذا الملف الشائك لندقّ للرأي العام، ولجهاز الأمن والمخابرات، والأجهزة الشرطية، والجهات المسؤولة كافّةً، ناقوسَ خطر داوياً للوقوف على أبعاد هذه الجريمة الأخلاقية، واستعراض الحلول التشريعية والتقنية الكفيلة بردع الجناة وحماية أعراض الناس.

​يا أبناء الشعب السوداني الأصيل؛ إننا لا نواجه اليوم شائعةً تُقال باللسان وتندثر مع الأيام، بل نواجه خنجراً مسموماً يُغرس في خاصرة الوطن عبر تقنيات التزييف المعقدة. لقد طفت على السطح تكنولوجيا خبيثة تُستنسخ فيها الأصوات، وتُركّب عليها الوجوه، وتُصنع المشاهد من العدم، لِيُنسب إلى الأبرياء ما لم يقولوه، ولِيُصوَّر الأطهار في مشاهد خبيثة ما خطرت لهم على بال!

​إنها ليست مجرد طفرة تقنية نلهو بها، بل هي مقصلة رقمية يُديرها مجرمون بدم بارد. يجلس الفاعل خلف شاشته مبتسماً وهو يرى الخوارزميات تطحن سمعة قامة علمية، أو تفتك بعِرْض عالم ومربٍّ قضى عمره في خدمة أو شيخ دين قدوة في نظر الناس. إن هذا ليس مجرد تزييف للمحتوى، بل هو اغتيال معنوي مع سابق الإصرار والترصد، يُراد منه حرق القدوات، وتدنيس الرموز، وإسقاط هيبة الفكر في أذهان الأجيال.

​يا أهل السودان؛ إن الخطر لم يعد يهدد الأشخاص بأسمائهم فحسب، بل يهدد الطمأنينة والأمن الأسريَّ في كل بيت. عندما يغدو الصوت والصورة أداة للزور، ألا يحق لنا أن نتساءل: من عليه الدور غداً؟ ومن يحمي أعراضنا من سكاكين هذه التكنولوجيا؟ إن السكوت على هذه الجريمة هو اشتراك خفي في صلب ضحيتها، والواجب اليوم هو الوقوف بحزم أمام هذا العدوان الرقمي الذي يستهدف أنبل ما نملك: قيمنا ورموزنا.

 

*​ونواصل غداً بإذن الله في الحلقة القادمة…*

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى