مقالات الظهيرة

(قعقعة الحروف) د. عمر الفاروق حسن صالح قيلي يكتب…. حين يصمت المفكّر… وتبقى الأسئلة… في وداع التجاني عبد القادر!!

لم يكن رحيل البروفيسور التجاني عبد القادر حامد مجرد غيابٍ لشخصية أكاديمية وفكرية سودانية، بل كان غياباً لصوتٍ ظلّ لسنوات يطرح الأسئلة الصعبة حول الدولة، والسياسة، والمجتمع، والفكر الإسلامي؛ أسئلة لا تنتهي برحيل صاحبها، بل ربما تبدأ بعده أكثر إلحاحاً.

كان التجاني من أولئك الذين لم يتعاملوا مع الأزمة السودانية بوصفها أزمة حكومات تتعاقب، أو صراعاً بين قوى سياسية تتنازع السلطة، وإنما حاول أن ينفذ إلى الجذور الأعمق: كيف تُبنى الدولة؟ ولماذا تتآكل مؤسساتها؟ وكيف تتحول العصبيات الاجتماعية والسياسية إلى بدائل عن الدولة الحديثة؟

وفي جانب من أفكاره المتأخرة، برز تحذيره من تمدد التشكيلات المسلحة والبنى العسكرية الموازية، وما يمكن أن يترتب عليها من إضعاف الدولة النظامية وتفكيك مفهوم السلطة العامة. وكان يرى أن الدولة لا تستقيم حين تتعدد مراكز القوة خارج مؤسساتها، وأن استدعاء القبيلة أو الجماعة أو الميليشيا إلى المجال السياسي والعسكري قد يعيد المجتمع إلى منطق العصبية، بدلاً من ترسيخ مفهوم المواطنة وسيادة القانون.

وهنا تبدو إحدى أكثر أفكاره إلحاحاً في واقعنا السوداني: حين تفقد الدولة مؤسساتها، لا يختفي الفراغ؛ وإنما تتقدم قوى أخرى لملئه.

ولم يكن نقد التجاني موجهاً إلى الآخرين وحدهم؛ فقد مارس قدراً واضحاً من المراجعة الفكرية والنقد الذاتي لتجربة الحركة الإسلامية السودانية. وتناول، في هذا السياق، قضايا التمكين السياسي، والعدالة الاجتماعية، واختلال التنمية بين المركز والهامش، محذراً من أن المشروع السياسي حين ينشغل بالسلطة أكثر من انشغاله بالإنسان والمجتمع والتنمية، يفقد تدريجياً قدرته على الإقناع والاستمرار.

كما توقف عند خطورة الأيديولوجيا المغلقة والثنائيات الإقصائية، داعياً إلى تجاوز التكتلات الفكرية الضيقة نحو أفق وطني أوسع، يستوعب التنوع السوداني ولا يحوّل الاختلاف السياسي والفكري إلى خصومة وجودية.

ولعل من أهم الأسئلة التي حملها التجاني في مشروعه الفكري سؤال العلاقة بين الإسلام والدولة الحديثة؟؟

فلم يكن يرى أن استدعاء الشعارات الدينية وحده كافٍ لبناء دولة، وإنما كان يلفت النظر إلى أن الدولة تحتاج قبل كل شيء إلى مؤسسات راسخة، وسيادة للقانون، وعدالة، وحرية، ومشاركة سياسية. فالدين، في رؤيته، لا ينبغي أن يُختزل في مجموعة من الإجراءات أو النصوص القانونية بمعزل عن مقاصده الكبرى وقيمه في العدل والحرية وكرامة الإنسان.

وهذه الفكرة تحديداً تستحق أن تُقرأ اليوم بعيداً عن الاستقطاب؛ لأن السؤال لم يعد من يملك الشعار؟

بل من يستطيع أن يبني الدولة؟

وكان التجاني، كذلك، مشغولاً بالتحولات التي تجري من حول السودان من صراعات النفوذ والهيمنة الثقافية والسياسية والتحولات التكنولوجية والفكرية التي تعيد تشكيل المنطقة والعالم. ولذلك لم يكن فكره محصوراً في قراءة الماضي، بل كان يحاول أن يستشرف ما يمكن أن تؤول إليه المنطقة إذا لم تُراجع مفاهيم الدولة والمجتمع والسياسة.

رحل التجاني عبد القادر، لكن بعض المفكرين لا يغادرون تماماً.

إنهم يتركون وراءهم أسئلةً أكثر من الإجابات، لأن قيمة المفكر ليست دائماً في أن يمنحك جواباً جاهزاً، وإنما في أن يجبرك على إعادة النظر في الأسئلة التي ظننت أنك أجبت عنها.

وفي السودان اليوم، تبدو أسئلته أكثر حضوراً!

ما الدولة التي نريد أن نبنيها كيف نعيد الاعتبار للمؤسسة؟

كيف ننتقل من منطق الجماعة إلى منطق المواطنة؟ وكيف يصبح الاختلاف السياسي وسيلة لإثراء الوطن، لا سبباً لتفكيكه؟

رحم الله البروفيسور التجاني عبد القادر، فقد غاب صاحب الصوت، لكن صدى السؤال ما زال حاضراً.

وهكذا هي قعقعة الحروف… لا تكتفي بأن ترثي الراحلين، وإنما تحاول أن تستنطق ما تركوه من أسئلة.

ولعل السؤال الذي يطرق أبواب السودان بعد رحيله ليس ماذا قال التجاني؟

بل هل نحن مستعدون أخيراً لأن نصغي؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى