د. عادل أحمد إبراهيم يكتب… (البغلة في الابريق) في ضوء النظريات والمقاربات!!

“البغلة في الإبريق” هو مثل شعبي سوداني ذائع الصيت يُضرب لوصف الأزمات المعقدة والمستعصية على الحل، أوالمواقف التي يستحيل فيها التوفيق بين المعطيات المتاحة والنتائج المطلوبة (مثل محاولة إدخال بغلة ضخمة داخل إبريق ضيق) يُستدعى هذا المثل كأداة تحليلية سياسية وثقافية (وقد استُخدم سابقاً في برامج فكرية وسياسية) ويتلخص هذا المفهوم وتحدياته في النقاط التالية:
١/ جوهر المعضلة (لماذا البغلة في الإبريق؟)المقصود بالمعضلة هنا محاولة حشر قضايا سودانية بالغة الضخامة والتعقيد وتدخل ضمن أطر حلول وتكتيكات سياسية ضيقة ونخبوية وقاصرة، و(الإبريق) هو محاولة إدارة دولة ذات تنوع إثني، ثقافي، وجغرافي هائل، فالبغلة هنا تمثل العقلية المركزية الإقصائية الأحادية في الرؤية، وتقوم على تشويه صورة الآخر وفق ممارسة آليات إعلامية وثقافية لتهميش الأطراف أو المكونات المخالفة وتصوير مطالبها على أنها “جهوية” أو “انفصالية” لتبرير إقصائها!!
ان التداعيات على استقرار الدولة لا تكون في تعميق الأزمات الوطنية ،وتُعد هذه العقلية التى ترعى ذلك سبباً مباشراً في انسداد أفق التحول الديمقراطي وبناء دولة المؤسسات، وفيه تهديد للسلم المجتمعي، والذي يؤدي في حالة تشظيه الى استمرار التهميش والاستئثار بالسلطة، وبالضرورة إلى تآكل الثقة بين الأطراف والمركز،
لقد امتلك السودان موارد طبيعية وزراعية شاسعة في مقابل عجز الحكومات المتعاقبة عن وضع خطط تنموية تستوعب هذه الثروات لصالح المواطن مما يؤدي إلى الى استمرار الأزمات الاقتصادية الخانقة والمتلاحقة.
كما ان تحديات السلام وصناعته في السودان من واقع هذا المفهوم يواجه تحديات تجعلها تبدو كمعضلة “البغلة في الإبريق”، و لعل من أبرزها تعدد الجيوش ومشاريع السلاح ومحاولة دمج الجيوش والحركات المسلحة المتعددة ذات العقائد الإيديولوجية والقبلية المختلفة في جيش وطني واحد موحد في غياب العقيدة العسكرية الموحدة ،والذي يمثل “البغلة” التي عجزت فيها الاتفاقيات السياسية الهشة ،و”الإبريق” الذي ينحو لتجزئة الحلول والاتفاقيات الثنائية وفق الاعتماد التاريخي من الاتفاقيات الجزئية السابقة (مسارات سلام منفصلة، محاصصات مناصب، أو تسويات نخبوية فوقية). هذه التسويات تعتبر “إبريقاً” أضيق من أن يستوعب جذور الأزمة السودانية المتمثلة في التهميش التنموي، المواطنة، وتوزيع الثروة والسلطة.
فالأزمة الإنسانية والتمزق المجتمعي فاقم اتساع رقعة الصراعات والنزوح ،والذي أدى إلى شروخ مجتمعية عميقة.
كانت محاولة علاج هذه الشروخ تجري عبر توقيع أوراق سياسية فقط دون عدالة انتقالية حقيقية وإعادة إعمار والتي لم تؤد إلى سلام حقيقي!! لقد تحول السودان إلى ساحة لتصفية حسابات ومصالح دولية وإقليمية متضاربة، مما حاول ان يضعف القرار الوطني المستقل ويجعل الحلول الداخلية محاصرة بإملاءات خارجية
.إن تحدي السلام في السودان يكمن في ضرورة تغيير “الإبريق” نفسه أي الانتقال من العقليات والحلول السياسية التقليدية القائمة على المحاصصة وتوزيع الغنائم، إلى فضاء وطني واسع يهدف الى (مؤتمر دستوري شامل وحوار سوداني-سوداني حقيقي) ليستوعب كل السودانيين بتنوعهم وقضاياهم دون إقصاء ان السياقات المحتملة نحو تصميم عملية سياسية في إطار منظم يهدف إلى هندسة وإدارة الحوارات أو الانتقال السياسي أو صنع السياسات العامة لضمان الفاعلية والشمول، وهذا يعد فهمًا عميقًا للسياقات والبيئات المحيطة التي تُجرى فيها هذه العملية ،والذي يتطلب بالضرورة تصميماً مرناً يركز أولاً على “بناء الثقة” ووقف العدائيات، واللجوء إلى ترتيبات انتقالية مؤقتة.
ان سياق ما بعد النزاع يضمن (الاستقرار النسبي) الذي يتيح الانتقال إلى تصميم عمليات سياسية متعددة أكثر هيكلية ومستدامة، مثل الإصلاحات الدستورية والانتخابات. ان السياق المؤسسي والقانوني الذي يرتبط بكيفية استغلال الهياكل القائمة أو معالجة غيابها يجب أن يراعي التصميم قدرة المؤسسات الضعيفة على التنفيذ لتجنب انهيار الاتفاقات وعلى ضرورة تحديد ما إذا كانت العملية السياسية ستتحرك ضمن عملية دستورية أو بالتزامات منعقدة باتفاق، أم ستحتاج إلى إعلان دستوري مؤقت جديد يُشرعن المسار الجديد؟ ان السياق السياسي وتوازن القوى عليه ان يتناول خريطة الفاعلين ومصالحهم التي ترسم شكل التفاوض عندما تعجز الأطراف عن حسم الموقف عسكرياً أو سياسياً لكي يكون السياق مهيأً لتصميم تشاركي يقوم على التنازلات المتبادلة. في سياق عدم الهيمنة والأحادية إذا كان هناك طرف أقوى مسيطر، فإن التصميم قد يميل إلى فرض الشروط، مما يهدد استدامة العملية ما لم تُدمج الأطراف الأخرى بآليات حوكمة واضحة فالسياق الاجتماعي والتشاركي له اهميته لانه يركز على الحاضنة الشعبية ومدى شمولية العملية.
فالنموذج متعدد الأطراف ( مثل اإشراك منظمات المجتمع المدني، والنساء، والشباب، والمجموعات المهمشة هو الذي يمنح العملية السياسية شرعية مجتمعية ويحميها من أن تكون مجرد صفقة بين النخب السياسية كما ان السياق الثقافي والتاريخي ومراعاة الأعراف المحلية والتقاليد المجتمعية عند تصميم الآليات (مثل مجالس الأعيان أو النظم العشائرية في بعض الدول). ذو اهمية قصوى.
كما ان السياق الإقليمي والدولي لا يمكن عزله عن أي عملية سياسية محتملة في السودان عن محيطها الخارجي
ان سياق التدخل أو الوساطة الدولية مع وجود رعاية من الأمم المتحدة أو قوى إقليمية يوفر ضمانات وموارد لتنفيذ الاتفاقات، ولكنه قد يفرض أجندات خارجية يجب التوفيق بينها وبين المصلحة الوطنية
ان أثر السياق على توجهات التصميم السياسي يجد التركيز الأساسي نحو المخاطر المحتملة عند إهماله في سياق اي نزاع حاد ذا طبيعة حرجة.
فالناظر نحو الترتيبات الامنية المؤقتة يمكنها ان تعزز بناء الثقة من انهيار اي مفاوضات.
ان تجدد العنف في سياق آخر يجد منا لزاما للدعوة نحو تبسيط الآليات والتدرج في حال عجز الدولة.
وعليه أن يتحتم تطبيق البنود المتفق عليها ولنتجنب الدخول في سياق انقسام مجتمعي !!
ان التصميم التشاركي والشامل لجميع الفئات مهم في غياب الشرعية الشعبية المتمثلة في برلمان انتقالي أو منتخب.
ولكي نتجاوز السرديات الوصفية المتداولة نحو تفكيك الحرب بوصفها سيرورة معولمة ومحطة تاريخية لإعادة هيكلة الدولة والمجتمع.
يظل السؤال :-كيف يسهم التداخل العضوي بين ديناميات الصراع الداخلي وشبكات العولمة الأمنية والاقتصادية في تشكيل طبيعة الحرب السودانية الراهنة، وما هي الانعكاسات المفاهمية والهيكلية لهذا النمط من النزاعات المركبة على فرص السيادة الوطنية ومقاربات إعادة تأسيس الدولة في مرحلة ما بعد الحرب؟
د. عادل احمد ابراهيم
داناكوم للخدمات الإعلامية
الخرطوم-لندن



