مقالات الظهيرة

(قعقعة الحروف) ​المولد النبوي الشريف: نفحات الذكرى وجدلية الاحتفال بين الاتباع والابتداع

بقلم: د. عمر الفاروق حسن صالح قيلي:

​يُشكل المولد النبوي الشريف حدثاً مفصلياً في تاريخ الإنسانية؛ إذ ينظر إليه المسلمون بوصفه إشراقة النور والرحمة المهداة، مصداقاً لقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾؛ هذا النور الذي أخرج البشرية من ظلمات الجهل إلى نور الهداية. وتُعد هذه الذكرى في كثير من المجتمعات الإسلامية مناسبة متجددة لاستحضار السيرة العطرة، وتدارس الأخلاق النبوية، وتجديد العهد مع الرسالة الخاتمة.

​تتنوع مظاهر الاحتفاء بهذه المناسبة عبر العالم الإسلامي لتجمع بين الطابعين الديني والاجتماعي، وتتجلى أبرز صورها في:

​مجالس السيرة والمديح: قراءة قصائد الثناء النبوي وتدارس محطات من حياته صلى الله عليه وسلم.

​العمل الصالح والتكافل: إطعام الطعام، وتوزيع الصدقات على الفقراء، وإظهار الفرح بالتهادي والتزاور.

​التربية الروحية: استغلال المناسبة لربط الأجيال الناشئة بشخص النبي صلى الله عليه وسلم واقتفاء أثره.

​التأصيل الفقهي وجدلية الاحتفال

شهدت مسألة الاحتفال بالمولد النبوي سجالاً فقهياً واسعاً بين العلماء على مر العصور؛ وانقسمت الآراء بين مؤيد يعتبره من إظهار المحبة المشروع، ومانع يراه بدعة ومحدثة في الدين.

​ويستند المؤيدون في جواز الاحتفاء بمولده صلى الله عليه وسلم إلى أدلة من القرآن الكريم، أبرزها قوله تعالى: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَٰلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ﴾. ووجه الاستدلال أن الله تعالى أمرنا بالفرح برحمته، والنبي صلى الله عليه وسلم هو أعظم رحمة أُهديت للبشرية، فالفرح بمولده امتثال لهذا الأمر العام. كما أن إقامة مجالس الذكر لتدارس السيرة، وإطعام الطعام، وتجمع الناس على محبة الرسول ومديحه، تدخل تحت مفهوم “السُّنّة الحسنة” ما دامت الوسائل المتبعة مشروعة في أصلها ولا تخالطها محرمات.

​نحو رؤية جامعة

إن الخلاف في مسألة الاحتفال بالمولد النبوي هو خلاف في فروع الفقه والآليات وليس في أصول الدين؛ إذ يتفق الجميع على وجوب محبة النبي صلى الله عليه وسلم، وتعظيمه، واتباع سنته. ويتأكد التحقيق في هذه المناسبة بالتركيز على الجوهر من خلال:

​الاقتداء العملي: تحويل محبة النبي صلى الله عليه وسلم إلى سلوك يومي في الأخلاق والمعاملات والمنهج.

​تجنب المحرمات: تجريد أي نشاط يُقام من البدع المنكرة أو المخالفات الشرعية.

​سعة الصدر: عدم جعل هذه المسألة الخلافية سبباً للنزاع أو التجريم والتكفير بين المسلمين.

​يبقى المولد النبوي الشريف فرصة سانحة لاستلهام

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى