في حضرة الكاتب العملاق صبري العيكورة
بقلم/ مصطفى عبد العزيز:
الكتابة عن قامةٍ بحجم صبري العيكوره ليست أمراً يُقدم عليه المرء بلا تردّد، فهي تحتاج ــ قبل الحبر والورق ــ إلى قدرٍ من الاستئذان الأدبي، والتواضع أمام تجربةٍ تشكّلت عبر السنين، وتحوّلت إلى علامةٍ فارقة في فضاء الكتابة الصحفية السودانية. فالحديث عن كاتبٍ عملاقٍ كهذا، هو في جوهره حديثٌ عن قيمٍ ومواقف، قبل أن يكون عن أسلوبٍ أو شهرة.
مناقب الكاتب قبل منجزه
من مناقب صبري العيكوره أنّه كاتبٌ وفيٌّ للكلمة، لا يساوم بها ولا يجعلها أداةً للضجيج. عرف عنه:
نزاهة الفكرة وابتعادها عن التلوّن والمجاملات.
سموّ اللغة دون تعقيد، وعمق المعنى دون ادّعاء.
الانحياز للوعي لا للإثارة، وللسؤال لا للإجابة الجاهزة.
احترام القارئ، إذ لا يكتب ليستعرض بل ليُضيء.
تلك المناقب جعلت اسمه مقترناً بالثقة، وقراءة مقاله فعلاً مقصوداً لا عادةً عابرة.
حين ندلف إلى التجربة
وعندما ندلف إلى عالمه الكتابي، نجد أنفسنا أمام تجربةٍ صحفيةٍ ناضجة، تشكّلت في تقاطع الثقافة بالشأن العام. كتب العيكوره في قضايا المجتمع والسياسة والهوية، لكنه لم يكن أسير موضوعٍ بعينه؛ بل أسير رؤيةٍ ترى في الكتابة مسؤوليةً أخلاقية، وفي الصحافة رسالةً لا وظيفة.
أسلوبه هادئ، متزن، مشغول بعنايةٍ خاصة على انتقاء المفردة وبناء الجملة. لا يرفع صوته ليقنعك، ولا يصدمك ليجذبك، بل يأخذ بيدك نحو الفكرة، ويترك لك مساحة التفكير. ولذلك ظلّت مقالاته حاضرة في الذاكرة، تُتداول لما فيها من حكمةٍ وعمق، لا لمجرد راهنية الحدث.
ولعلّ أجمل ما يُحسب له أنّه لم يكتب يوماً من موقع الإقصاء. قد يختلف القارئ معه في الرأي أو الانطباع، لكنّه لا يخرج من نصوصه خصماً أو ناقماً، بل محاوراً. فالعقل عنده أوسع من أن يُختزل في رأي، والودّ أسمى من أن تفسده وجهة نظر
هكذا، فإن الكتابة عن الاستاذ صبري العيكوره تظلّ محاولةً للاقتراب من تجربةٍ ثريّة، لا لإحاطتها. ويبقى الدرس الأهم الذي تقدّمه هذه التجربة أنّ اختلاف الرأي والانطباع لا يفسد للودّ قضية، وأن الكلمة حين تُكتب بصدقٍ واحترام، تظل جسراً لا جداراً، ومساحة لقاء لا ساحة صراع.



