علياء تصمد: لماذا نجت بعض المستشفيات وانهارت الدولة!!

قراءات إستراتيجية
حزمة إعادة إعمار السودان الصحية 2027م – 2037م
المقال الرابع:
بقلم/ الدكتور محمد عوض محمد متولي
المحلل والأكاديمي والخبير الاقتصادي المشارك بمركز الخبراء للدراسات الإنمائية وتحليل الأزمات
سبتمبر 2026م
_______________
حمداً لله على سلامة البروفيسور مأمون حميدة، فقد قدمت شهادته “زيارتي لمستشفى علياء 2” وثيقة هي الأهم في تاريخ القطاع الصحي السوداني منذ الاستقلال. لم تكن مجرد وصف لسرير مريض، بل كانت تشريحاً حياً لدولة داخل دولة. السؤال الذي طرحه البروفيسور ضمناً وهو يمدح النظام والدقة والبسمة في وجوه الكادر رغم الحصار لعام كامل هو السؤال الذي يجب أن يحكم كل سياسات “حزمة إعادة إعمار السودان الصحية 2027-2037م”: لماذا صمدت علياء وانهار غيرها؟ لماذا حافظت منارة واحدة على نبضها بينما توقفت 60% من المستشفيات الحكومية في السودان وفق تقرير منظمة الصحة العالمية الصادر في مارس 2025م؟…
إن الإجابة على هذا السؤال هي مفتاح إعادة الإعمار، لأنها تنقلنا من منطق “بناء مستشفيات جديدة” إلى منطق “نسخ نموذج ناجح”.
إن الأرقام صادمة وتكشف حجم الفارق. قبل الحرب كان السودان يملك 800 مستشفى حكومي وخاص، منها 470 مستشفى عام. بحسب التقييم السريع الذي أجرته منظمة الصحة العالمية ووزارة الصحة في ديسمبر 2024م، خرج 62% من هذه المستشفيات عن الخدمة كلياً أو جزئياً بسبب الدمار أو النهب أو نقص الكوادر أو انقطاع التمويل. وتقدر الخسائر المباشرة في البنية التحتية الصحية بـ 1.3 مليار دولار. في المقابل، وفي قلب هذه الكارثة، كانت مستشفى علياء 2 تعمل، تستقبل، تعالج، وتجري عمليات. بل كانت تبتكر. وهذا ليس صدفة ولا حظاً، هذا نتاج معادلة إدارية محددة يمكن تفكيكها ونسخها.
إن التحليل الاستراتيجي الهيدروليكي يقودنا إلى ثلاثة أعمدة كانت سبب صمود علياء، وغيابها كان سبب إنهيار البقية…
العمود الأول: هو “الحوكمة المستقلة”. علياء ليست مستشفى حكومي تقليدي تابع بيروقراطياً لوزارة الصحة وتتحكم فيه الإدارات المتعاقبة. لديها مجلس إدارة فني مستقل، لديه صلاحية اتخاذ القرار المالي والإداري خلال 24 ساعة. حين انقطع الإمداد الحكومي، لم تنتظر علياء الميزانية، بل فعلت شبكة تبرعاتها وشراكاتها مع المغتربين ومنظمات المجتمع المدني. تقرير المراجع القومي 2023م أظهر أن المستشفيات ذات مجالس الإدارة المستقلة انخفضت نسبة تعطيلها أثناء الحرب بنسبة 41% مقارنة بالمستشفيات المركزية.
العمود الثاني: هو “الكادر المهني الولائي”. ما أشاد به البروفيسور من بسمة الممرضين والأطباء ليس ترفاً أخلاقياً، هو رأس مال. علياء احتفظت بـ 85% من كادرها التخصصي خلال عام الحصار لأنها وفرت لهم 3 أشياء: راتباً يصرف في موعده حتى لو تأخرت الدولة، سكناً آمناً داخل الحرم، وشعوراً بالكرامة المهنية. بينما هاجر 14 ألف طبيب وممرض سوداني من المستشفيات الحكومية بين 2023م و 2025م وفق نقابة الأطباء، بقي كادر علياء لأن المؤسسة عاملته كأصل وليس كرقم في كشف. الإنسان الذي يشعر بالتقدير يقاتل من أجل مؤسسته، والذي يشعر بالإهمال يهرب منها.
العمود الثالث: هو “التمويل المرن وسلسلة الإمداد الذكية”. علياء لم تعتمد على المخزن الحكومي المركزي المنهار. أنشأت مخزون طوارئ يكفي 3 أشهر، وعقدت اتفاقيات مباشرة مع 4 موردين دوليين، واستخدمت نظام “الباركود” الذي اقترحناه في المقال الأول لتتبع كل شريط دواء. النتيجة أن نسبة الأدوية منتهية الصلاحية في علياء كانت 2% فقط في 2024، بينما بلغت 38% في المستشفيات الحكومية الكبرى وفق مسح الاتحاد السوداني للصيادلة. هذا هو الفرق بين إدارة الأزمة وإدارة الفوضى.
إن الدرس الاستراتيجي هنا واضح وقاس: المشكلة ليست في السودانيين ولا في نقص الأطباء. المشكلة في “النظام”. نظام يجعل مدير المستشفى ينتظر توقيع 7 جهات لشراء كيس محلول ملح. نظام يحول الطبيب إلى موظف يوقع حضور وانصراف لا إلى قائد فريق إنقاذ. نظام يجعل ميزانية المستشفى حبيسة البنود فلا يستطيع شراء مولد وهو يغرق في الظلام.
ومن هنا تأتي “خطة نسخ علياء” كأولوية قصوى في حزمة 2027-2037م.
لا نملك ترف بناء 400 مستشفى جديد. نملك ترف تحويل 50 مستشفى قائمة إلى “مستشفيات نواة” تعمل بنظام علياء. والمنهجية بسيطة وحاسمة….
أولاً: إصدار مرسوم دستوري يمنح هذه الـ 50 مستشفى شخصية اعتبارية مستقلة، ومجلس إدارة فني من 7 أعضاء، 4 منهم أطباء و 2 من المجتمع و 1 من وزارة المالية.
ثانياً: ربط ميزانيتها مباشرة بوزارة المالية الاتحادية، بعيداً عن وزارة الصحة الولائية، على أن تكون 70% من الإيرادات من رسوم الخدمة و 30% دعم حكومي مشروط بالأداء.
ثالثاً: إطلاق “صندوق تأهيل المستشفيات النواة” برأس مال 250 مليون دولار، أي 5 ملايين دولار لكل مستشفى، لتأهيل البنية التحتية، وشراء أجهزة العناية، وتوفير سكن للكادر. رابعاً: الربط الرقمي الإلزامي لكل هذه المستشفيات في شبكة واحدة مع وزارة الصحة لغرض الرصد والجودة فقط، لا للتدخل الإداري.
إن العائد الاقتصادي لهذا النموذج يفوق الخيال. السودانيون ينفقون 600 مليون دولار سنوياً على العلاج في مصر والسعودية والهند بسبب فقدان الثقة في المستشفيات الحكومية. دراسة الجدوى التي أعدها الفريق الاقتصادي بمركز الخبراء تقول إن تشغيل 50 مستشفى نواة بكفاءة 80% سيعيد 60% من هذه الأموال إلى الداخل خلال 3 سنوات، أي 360 مليون دولار سنوياً. كما سيوفر 25 ألف فرصة عمل مباشرة وغير مباشرة، ويقلل معدل الوفيات القابلة للتجنب بنسبة 35%.
سيقول البعض هذا خصخصة مقنعة. وأقول هذا تأميم للكفاءة. الدولة ستبقى المالك والممول الرئيسي، ولكنها ستترك الإدارة للمهنيين. تجربة رواندا بعد الإبادة 1994م علمتنا أن الدولة التي تريد أن تنهض لا تبني 100 مستشفى ضعيف، بل تبني 10 مستشفيات قوية تكون منارة. علياء أثبتت أن السوداني قادر على الإدارة والتميز حتى تحت القصف.
الخلاصة التي أختم بها هذه القراءة الرابعة هي أن شهادة البروفيسور مأمون حميدة لم تكن مدحاً لمستشفى، كانت دستوراً لدولة. “علياء تصمد” تعني أن الحل موجود داخلنا. لا نحتاج خبراء أجانب ليقولوا لنا كيف نبني، نحتاج قراراً سياسياً ينسخ ما نجح. إذا أردنا سودان ما بعد الحرب فعلينا أن نأخذ النظام من علياء، والبسمة من كادرها، والإرادة من إدارتها، ونزرعها في كل ولاية. إما أن ننسخ علياء 50 مرة، أو سنبقى ندفن أرواحنا في مستشفيات ميتة.
نسأل الله أن يحفظ كوادر علياء وأن يجعل صمودهم منارة لكل السودان.
والله ولى التوفيق.



