مقالات الظهيرة

 علاج البشير.. أين يقف القانون وأين يبدأ القرار السياسي؟

مسارب الضي | يكتبه | د. محمد تبيدي

في قضية عمر أحمد حسن البشير، الرئيس السوداني السابق، تتداخل السياسة بالقانون، والإنسانية بالإجراءات القضائية، وتتشابك الاعتبارات الطبية مع الحسابات السياسية والأمنية، حتى أصبح السؤال المتداول في الشارع السوداني

لماذا لم يُسمح للبشير بالعلاج خارج السودان؟

هل القرار بيد البرهان وحده؟

لكن المسؤولة لا تبني موقفها على السؤال وحده، ولا تحول الشائعة إلى حقيقة، ولا تنسب إلى قائد أو مسؤول قراراً لم يصدر عنه بصورة موثقة.

 

نُقل البشير إلى المستشفى لإجراء الفحوصات والعلاج، وفق حالته علاجاً خارج البلاد، وقالت أسرة البشير إن حاجته إلى العلاج الخارجي أصبحت عاجلة، وإنها لم تتلقَّ إخطاراً رسمياً بالموافقة على سفره.

 

البشير بين المريض والمتهم:

لا يمكن النظر إلى عمر البشير في هذه القضية باعتباره مريضاً فقط، ولا باعتباره متهماً فقط فهو في الوقت نفسه مواطن سوداني له حق العلاج والرعاية الصحية، وشخص يواجه ملفات وقضايا قانونية داخل السودان، كما أنه مطلوب لدى المحكمة الجنائية الدولية.

وهذه الصفات المتداخلة هي التي تجعل قرار نقله إلى خارج البلاد مختلفاً تماماً عن قرار نقل أي مريض آخر.

فالخروج من السودان للعلاج لا يمثل مجرد رحلة طبية، وإنما قد يترتب عليه سؤال قانوني وسياسي كبير

هل سيعود بعد العلاج؟

ومن يضمن عودته؟

وما الجهة التي تملك قانوناً إصدار الإذن؟

وهل نقل للبشير إلى الخارج يمكن أن يثير خلافاً داخلياً وجدلاً دولياً، في ظل القضايا المفتوحة بحقه وملاحقة المحكمة الجنائية الدولية له.

هل القرار قرار البرهان؟

من السهل أن يقال في الشارع إن “البرهان رفض”، لكن الدولة لا تُدار دائماً بهذه البساطة.

حالة البشير تطلب من السلطات الموافقة علي سفره للعلاج، والأسرة تقول إنها لم تتلقَّ قراراً رسمياً نافذاً، كما أن هيئة الاتهام ترى أن الملف مرتبط بالقضاء والنيابة وليس بقرار سياسي منفرد.

لماذا التعقيد القانوني؟

لأن البشير ليس طليقاً حتى يُقرر السفر مثل أي مواطن.

هناك قضايا جنائية وإجراءات قضائية قائمة، وهناك التزامات دولية مرتبطة بالمحكمة الجنائية الدولية، وبالتالي فإن السماح له بمغادرة السودان يطرح مجموعة من الأسئلة القانونية.

هل يحتاج الأمر إلى قرار قضائي؟

هل تكفي موافقة السلطة التنفيذية؟

هل توجد ضمانات للعودة؟

هل الدولة التي سيذهب إليها ملزمة بالتعامل مع وضعه القانوني الدولي؟

ومن يتحمل مسؤولية القرار إذا لم يعد؟

هذه الأسئلة ليست تفاصيل ثانوية، وإنما هي جوهر الأزمة.

العلاج حق.. والقانون لا يُلغى

ومن زاوية إنسانية بحتة، فإن المرض لا ينبغي أن يتحول إلى عقوبة إضافية.

إذا أثبت الأطباء أن حالة البشير تحتاج إلى أجهزة أو تخصصات غير متوفرة داخل السودان، فإن توفير العلاج المناسب له ينبغي أن يكون موضع نظر جاد من الجهات المختصة.

وفي المقابل، فإن تمكينه من العلاج لا يعني إسقاط القضايا الموجهة إليه، ولا يعني منحه حصانة سياسية أو قانونية.

يمكن للدولة أن تضمن العلاج وتحافظ في الوقت نفسه على الإجراءات القضائية.

وهذه هي النقطة التي يجب أن تخرج بها القضية من دائرة المناكفات السياسية إلى دائرة المؤسسات.

لماذا لا يكون الحل بضمانات قانونية؟

إذا كان السفر ضرورياً من الناحية الطبية، فإن الحل ليس بالضرورة في الاختيار بين “السفر بلا قيود” و”منع السفر”.

هناك حلول قانونية يمكن أن تبحثها الجهات المختصة، مثل تحديد الدولة المستقبلة، وتحديد مدة العلاج، وضمانات العودة، والإشراف القضائي، والتنسيق بين السلطات المختصة.

لكن هذه الإجراءات تحتاج إلى قرار مؤسسي واضح، لا إلى تسريبات ولا تصريحات متناقضة.

 

إن قضية علاج عمر البشير أصبحت أكبر من شخص البشير نفسه.

إنها تختبر قدرة الدولة السودانية على الفصل بين الحق الإنساني في العلاج وبين المسؤولية القانونية والسياسية.

فإذا كانت التقارير الطبية تثبت أن العلاج المطلوب غير متوفر داخل السودان، فلا ينبغي أن يكون المرض ساحة للانتقام السياسي.

وفي الوقت نفسه، لا ينبغي أن تتحول الضرورة الطبية إلى طريق لتجاوز القضاء أو تعطيل الملفات القانونية.

والحل الحقيقي يبدأ بإعلان رسمي واضح من الجهات صاحبة الاختصاص:

هل صدر قرار بالموافقة على السفر أم لا؟

وإذا صدر، فما شروطه؟

وإذا لم يصدر، فما الجهة التي تملك القرار؟

أما ترك الأمر للتسريبات والتصريحات المتضاربة، فلن يؤدي إلا إلى زيادة الشائعات وفتح الباب أمام اتهامات سياسية لا تستند إلى وثائق.

 

البشير اليوم أمام قضية تتجاوز حدود العلاج.

إنه أمام معادلة تجمع الإنسان والقانون والسياسة والسيادة والالتزامات الدولية.

المطلوب ليس عاطفة مع البشير ولا خصومة معه.

المطلوب دولة تحترم الإنسان، وقانوناً يحكم الجميع، وقراراً رسمياً واضحاً، ومؤسسات تتحمل مسؤولية ما تقرره.

فالعلاج حق، والقضاء حق، وسيادة الدولة حق، ولا ينبغي أن يُستخدم أحد هذه الحقوق لإلغاء الآخر.

 

وأنا سأكتب للوطن حتى أنفاسي الأخيرة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى