مقالات الظهيرة

علاء الدين محمد أبكر يكتب… السودان بيتنا الكبير!!

الوطن هو البيت، وهذه ليست جملة عابرة بل هي حقيقة تسكن في وجدان كل إنسان سوي. فالبيت بالنسبة لكل شخص منا هو الملاذ والسكن والستر والدفء، هو المكان الذي إذا ضاقت بك الدنيا اتسع لك، وإذا خذلك الناس احتضنك، وإذا تعبت وجدت فيه راحتك.

 

ولأن البيت غالٍ فإننا نحاول تعميره بالعمل الجاد، نسهر الليالي لنبنيه طوبة طوبة، ونحافظ على كل جنيه فيه، ونحفظ موارده ولا نبذرها. وأفراد البيت الواحد يتقاسمون اللقمة ويشد بعضهم أزر بعض، والأهم من ذلك كله أن للبيت أسراراً لا يجب أن تخرج للخارج، لأن في خروجها شماتة الأعداء وضعف البيت وانكشافه. تلك هي قواعد البيت الصغير العادي، فكيف إذا كان البيت بحجم وطن؟ وكيف إذا كان البيت هو السودان؟

 

تخيلوا معي هذا البيت، بوابته في الشمال، وحديقته في الجنوب، ومطبخه العامر في الجزيرة والقضارف، ومجلس ضيوفه في الشرق، وصحن داره الواسع في كردفان ودارفور، ونيله الذي يجري في وسطه كشريان حياة يروي كل الغرف. أفراد هذا البيت هم نحن، الشعب السوداني بكل ألوانه وسحناته وقبائله ولهجاته. نحن لسنا سكاناً في فندق نغادره متى شئنا، نحن أصحاب هذا البيت وأهله وورثته. وموارد هذا البيت هي أرضه البكر، ونيله الخالد، وذهبه الذي يلمع في باطنه، وبتروله، وزرعه وضرعه، وشبابه الذي هو عماد سقفه وأساس جدرانه.

 

وعندما لا نحافظ على وطننا نفقد الأمان، يصبح البيت بلا باب فيدخل من يشاء ويخرج من يشاء، يسرق من يشاء ويقتل من يشاء. وعندما نهمل العمل نجوع، لأن أرض البيت لن تزرع نفسها، ومصنع البيت لن يعمل وحده. وعندما نتفرق ونتشاجر على ميراث البيت نتشرد جميعاً في الشوارع نبحث عن مأوى في بيوت الآخرين. وعندما نكشف أسرار بيتنا الكبير السودان، وننقل خلافاتنا الداخلية إلى الخارج، ونستقوي بالأجنبي على ابن عمنا، فإننا نكون قد كتبنا بأيدينا وثيقة بيع هذا البيت للأعداء. والعدو لا يرحم، ولا يأتي ليبني لك بيتك، بل يأتي ليهدمه فوق رأسك ويأخذ أرضه. والتاريخ علمنا أن العدو لا يحفظ جميلاً حتى لمن تعاون معه وباع له وطنه، فهو ينظر إليه كخائن رخيص انتهت مهمته، وسيعمل لأجل مصالحه الخاصة فقط.

 

تعالوا نحمي بيتنا الكبير السودان، وحماية البيت لا تكون بالبكاء على أطلاله، بل بالعمل والإنتاج في الحقل والمصنع والمدرسة. نحميه بالدفاع عنه، كل واحد من موقعه، الجندي ببندقيته، والمعلم بطباشيره، والمزارع بمحراثه، والطبيب بمشرطه، والكاتب بكلمته. فإذا فقدنا بيتنا أين نذهب؟ ويكفي ما تعرض له السودانيون من ذل وإهانة في دول الغربة واللجوء، رأيناهم كيف عاشوا في الخيام، وكيف وقفوا في صفوف المساعدات، وكيف أغلقت في وجوههم الأبواب، وكيف تضايق منهم سكان تلك الدول وقالوا لهم كفاكم عودوا من حيث أتيتم. لا أحد يحب الضيف الثقيل، ولا أحد يرحب بمن لا بيت له، ولقد دفعنا ثمناً غالياً لنعرف قيمة هذا البيت.

 

المسألة بكل بساطة، يجب أن ننظر إلى الوطن كأنه بيت كبير، إذا سقط جدار واحد منه سقطنا جميعاً، وإذا تسربت المياه إلى أساسه انهار فوق رؤوسنا جميعاً، وإذا احترقت غرفة فيه اختنقنا جميعاً بدخانها. لا تقل دارفور ليست قضيتي، أو الخرطوم لا تهمني، أو الشرق بعيد عني، فالنار إذا اشتعلت في طرف البيت ستصل إلى وسطه لا محالة.

 

السودان بيتنا الكبير، فيه ولدنا ومن ترابه جبلنا ومن خيره أكلنا وتحت سمائه نحلم، وفيه نستنشق عبير الحرية والعزة والكرامة التي لا نجدها في أي مكان آخر في العالم. فلنتماسك ونتكاتف، ولنرمم جدران بيتنا بأيدينا، ونكنس غباره بأيدينا، ونزرع حديقته بأيدينا، قبل أن يأتي الغرباء ليبنوه لنا على مقاس أطماعهم، لا على مقاس أحلامنا وأحلام أطفالنا.

 

علاء الدين محمد ابكر

alaam9770@gmail.com

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى