(شــــوكة حـــوت)… ياسر محمد محمود البشر يكتب…الطِيـــِـش..الوقوف فى آخر صف ذاكرة الظل
*تتعدد الألقاب التى تفرزها مقاعد الدراسة وتتنوع أشكال الذاكرة المدرسية بين تحصيل علمى وبناء اجتماعى غير أن ثمة لقباً ظل يعلق بذاكرة الأجيال كوشم عصى على الخفاء (الطيش) في العامية السودانية لا يعتبر مصطلح الطيش مجرد وصفٍ لطالبٍ حصل على أدنى الدرجات في الامتحانات أو احتل المرتبة الأخيرة في القائمة بل هو إعلان عن هوية اجتماعية وأكاديمية مبكرة تجعل صاحبه شخصية حاضرة في الأذهان بنفس القدر الذي يُحفظ به اسم أول الدفعة وكأن أطراف القائمة.
هما النقطتان الوحيدتان اللتان لا يطالهما النسيان يبدأ مسار الطيش بتشكل شعور قاسى بالدونية تجاه أقرانه حيث يدفع به الخجل الأكاديمى والوصم المستمر إلى الانكفاء على الذات وتقوقع الشخصية هذا الانكفاء ليس اختياراً بقدر ما هو درع دفاعى يحمى به صاحبه ما تبقى من كرامته النفسية أمام نظرات التندر التى يرمق بها المجتمع من يفشلون في خوض معركة الأرقام والنسب المئوية ليتحول الفصل الدراسى من مساحة للتعلم إلى ساحة يومية لمواجهة الشعور بالنقص*.
*غير أن الأخطر من الهامشية النفسية هو استغلال هذا الموقف من قبل الأذكياء والمتفوقين في الدفعة إذ غالباً ما يُستغل الطيش لتأدية أدوار لا يقبل بها غيره وتمرير سلوكيات أو مهام تتطلب قدرة على المخاطرة أو عدم الاكتراث بالعواقب يتطوع أو يُدفع لتأدية الأدوار الأكثر تعقيداً ودناءة فى اللعبة الاجتماعية داخل المدرسة ليصير أداة يمرر من خلالها الآخرون رغباتهم بينما يتحمل هو وحده وزر التبعات والنتائج ولا تتوقف هذه الوصمة عند أسوار المدرسة
أو قاعات الجامعة بل تمتد كظلمة تلاحقه مدى الحياة فالنظرة المجتمعية تبقى جافة وثابتة ترفض أن تعيد تقييم الفرد بناءً على متغيرات الزمن أو نجاحات الحياة العملية ينظر إليه أبناء دفعته والدفعة التي تسبقه، بل وحتى الدفعة التي تليه، باعتباره الطيش الأبدى وكأن النجاح الأكاديمى المبكر هو المعيار الوحيد والإجبارى الذى يُحدد قيمة الإنسان ومدى احترامه إلى الأبد*.
*تلك الوصمة التاريخية تجعل من المستحيل تقريباً على الطيش أن يتصدر المشهد أو يلعب دور الرجل الأول فى محيطه القديم حتى وإن حاول البروز أو القيادة فإن الرصيد القديم يظل يلاحقه ككابوس يقلل من شأنه ويُعيد تفكيك منجزاته وتفسيرها في
إطار الغباء أو المصادفة يُحصر دائماً في خانة الأدوار الثانوية أو المهام التى تتطلب قدراً من عدم الحسابات الدقيقة ليظل محروماً من اعتراف زملائه بأهليته القيادية
ومن هنا تنشأ لدى الطيش سلوكيات دفاعية حادة تجاه ماضيه فهو يتجنب بشكل صارم الجلوس مع أبناء دفعته أو المشاركة فى تجمعاتهم الدورية إن أى لقاء مع زملاء الدراسة يمثل بالنسبة له فتحاً لجراح قديمة ومواجهة غير مرغوبة مع الذكريات التى تحاول تحجيمه فتصير الأحاديث عن أيام المدرسة واسترجاع المواقف وسيلة غير مباشرة لتذكيره بموقعه القديم في ذيل القائمة*.
*وبدلاً من الاندماج مع أقرانه يفضل الطيش هروباً ذكياً ونفسياً نحو مجتمعات جديدة وتحديداً التعامل مع من هم أكبر منه سناً أو من لا تربطهم به أى ذاكرة أكاديمية مشتركة فى مجتمع الكبار يجد مساحة فارغة من الأحكام المسبقة حيث يُقيم بناءً على حاضره وسلوكه الراهن وتعامله اليومى بعيداً عن أشباح درجات الامتحانات وترتيب النتائج المعلنة
على جدران المدارس وتُظهر حالة الطيش عواراً عميقاً في التقييم الاجتماعى الذى يختزل قدرات الإنسان المتعددة فى مجرد تحصيل أكاديمي محدود فى مرحلة سنية مبكرة إن قدرات البشر متنوعة والذكاء لا ينحصر في استظهار المناهج الدراسية إلا أن التربية التقليدية تحول النتيجة المدرسية إلى حكم معبد يحدد مسار الفرد الاجتماعى ويلاحقه طوال حياته دون منح فرصة حقيقية للتطهر من الماضى* .
نــــــــــــــص شــــــــــــوكة
*إن مأساة الرجل الطيش ليست فى كونه أحرز الدرجة الأخيرة فى اختبار علمى بل في قسوة المجتمع الذى رفض أن يمنحه فرصة أخرى لتعريف نفسه إنها قصة عن كيف يمكن للتنمر المستتر والوصم المبكر أن يصنعا عزلة دائمة ويشوه العلاقات الإنسانية متناسين أن الحياة العملية أوسع بكثير من فصول الدراسة وأن من فشل في الامتحانات المدرسية قد يملك من الحكمة والقدرات ما يعجز عنه متفوقو الصفوف الأولى*.
ربـــــــــــــع شــــــــــــوكة
*يبقى الرجل الطيش شاهداً على خلل تربوى واجتماعى بليغ يعكس حاجتنا الماسة لإعادة النظر فى كيفية تقييم الأبناء وبناء العلاقات الإنسانية على أساس الاحترام والمودة لا على أساس الأرقام والترتيب الأكاديمى إن نسيان الألقاب القاسية وتجاوز ذاكرة الإحباط هما الخطوة الأولى لبناء مجتمع يعترف بقيمة كل فرد بمعزل عن تعثرات البدايات*.
yassir.mahmoud71@mail.com



