مقالات الظهيرة

(رؤية وطنية) المنصب أمانة لا امتياز… حين يجلس الإنسان على كرسيٍّ لا يملكه.. بل يملكه ضميره

بقلم: أبوعبيدة أحمد علي

رئيس جمعية الأخوة السودانية السعودية مجلس الصداقة الشعبية العالمية

======================

ما أشدَّ الغرور الذي يُصيب الإنسان حين يظن أن المنصب قد رفع قدره، وما أعظم الحقيقة التي يغفل عنها، وهي أن المناصب لا ترفع الرجال، وإنما الرجال هم الذين يرفعون المناصب.

فالكرسي قطعةٌ من خشب، لا يهب صاحبه مجدًا، ولكن الذي يكسوه الهيبة هو العدل، ويمنحه الخلود هو الإخلاص، ويجعله موضع احترام الناس أن يشعر الجالس عليه أنه يحمل أثقال أمة، لا زينة وظيفة.

 

إن المنصب في ميزان الدنيا سلطة، ولكنه في ميزان السماء أمانة؛ وما بين السلطان والأمانة مسافةٌ لا يقطعها إلا أصحاب الضمائر الحية. فمن رأى في منصبه بابًا للمجد الشخصي ضل الطريق، ومن رآه بابًا لخدمة الناس اهتدى إلى سواء السبيل.

 

ولقد عرفت الإنسانية عبر تاريخها رجالًا لم يزدهم المنصب إلا تواضعًا، لأنهم كانوا كلما علت بهم المكانة ازدادوا شعورًا بثقل التكليف.

كانوا يرون أن الكرسي ليس موضعًا للراحة، بل موضعًا للسهر، وأن المسؤولية ليست لقبًا يُسبق به الاسم، وإنما عهدٌ يُسأل عنه المرء يوم يقف بين يدي الله، يوم لا يحجبه جندي، ولا ينفعه حرس، ولا تشفع له المكاتب الفخمة، ولا الأختام اللامعة.

 

وما أكثر الذين دخلوا المناصب وهم محبوبون، ثم خرجوا منها ولم يتركوا وراءهم إلا حسرة الناس عليهم، لأنهم نسوا أن المنصب عابر، وأن الباقي هو الأثر. فالناس لا يذكرون كم سنة بقي المسؤول في مكتبه، ولكنهم يذكرون كم دمعةً مسح، وكم مظلمةً رفع، وكم بابًا فتح، وكم وطنًا أعان على النهوض.

 

وليس أشد خطرًا على الدول من مسؤولٍ يعتاد التأجيل حتى يظنه حكمة، أو يأنس بالروتين حتى يراه نظامًا، أو يخلط بين الهيبة والبطء، وبين الوقار وجمود القرار. فكم من مشروعٍ مات قبل أن يولد، وكم من مبادرةٍ وطنية ذبلت لأنها انتظرت توقيعًا طال انتظاره، وكم من فرصةٍ ضاعت لأن صاحب القرار لم يشعر أن الزمن نفسه قد يكون خصمًا للوطن.

 

إن الكرسي الذي يجلس عليه المسؤول ليس ملكًا له، وإنما هو ملكٌ لذلك العامل الذي يخرج قبل الفجر ليطلب رزقه، وملكٌ لتلك الأم التي تنتظر دواء طفلها، وملكٌ لذلك الطالب الذي يدرس على ضوء شمعة، وملكٌ لذلك المزارع الذي ينظر إلى زرعه مترقبًا قطرة ماء أو ساعة كهرباء. فإذا أدرك المسؤول أنه يجلس باسم هؤلاء جميعًا، تغيرت نظرته إلى المنصب، وأصبح كل يوم يمر عليه بغير إنجاز دينًا في عنقه.

 

ولقد ابتُليت أمم كثيرة بندرة المال، لكنها لم تُهزم؛ لأنها امتلكت رجالًا جعلوا من الإخلاص رأس مالهم، وابتُليت أمم أخرى بوفرة المال، لكنها تعثرت؛ لأن ضمائر القائمين عليها كانت أفقر من خزائنها. فالنهضة لا تُولد في البنوك، وإنما تُولد أولًا في النفوس، ثم تنزل إلى المؤسسات، ثم تظهر في الطرق والمصانع والجامعات والمستشفيات.

 

وإن من أعظم صور الوفاء للوطن أن يفرح المسؤول بمن يأتيه بفكرة نافعة، أو مبادرة صادقة، أو يدٍ ممدودة بالعون، فلا يسأل أولًا: من صاحبها؟ ولا إلى أي فريق ينتمي؟ وإنما يسأل: ماذا ستضيف للوطن؟ فالوطن أكبر من الأشخاص، وأبقى من المناصب، وأسمى من الحسابات الضيقة.

 

أيها المسؤول…

 

إذا دخلت مكتبك، فتذكر أن خلف بابه ملايين الأمنيات، وأن كل ورقة بين يديك قد تكون حياة إنسان، أو رزق أسرة، أو مستقبل شاب، أو ابتسامة طفل. فلا تؤخرها إلا بحق، ولا تحبسها إلا لمصلحة، فإن التأخير بغير موجب قد يكون ظلمًا لا يشعر به صاحبه، ولكنه يشعر به كل من ينتظر ثمرة القرار.

 

واعلم أن الأيام لا تحفظ أسماء الوزراء والولاة والمديرين لأنهم تقلدوا المناصب، وإنما تحفظ أسماء الذين كانوا إذا ضاقت بالناس السبل فتحوا لهم بابًا، وإذا انطفأت الآمال أشعلوا في القلوب رجاءً، وإذا ثقلت الأمانة حملوها بصبر المؤمن، لا بزهو المتكبر.

 

همسة وطنية

 

يا صاحب المنصب…

 

سيأتي يوم تغادر فيه مكتبك كما دخلته أول مرة، لا تحمل معك كرسيًا، ولا حرسًا، ولا ختمًا، ولا لقبًا. ولن يبقى لك إلا دعوة صادقة خرجت من قلب أمٍ فرَّجت كربها، أو دمعة يتيمٍ مسحتها، أو وطنٍ كنت له خادمًا أمينًا لا سيدًا متعاليًا.

 

فاجعل بينك وبين الله عملًا إذا ذُكر اسمك بعد أعوام قال الناس: مرَّ من هنا رجلٌ حمل الأمانة ولم تحمله الأمانة، وخدم الوطن ولم يستخدم الوطن، فأضاء في القلوب نورًا أبقى من كل مصباح، وأبقى من كل منصب.

 

اللهم إنا نسألك أن تولي على بلادنا خيارها، وأن ترزق كل من تقلد مسؤولية قلبًا يخشاك، وعقلًا يحسن التدبير، ويدًا لا تمتد إلا إلى الخير، ولسانًا لا ينطق إلا بالحق، وأن تجعل خدمة السودان عبادةً يتقرب بها المخلصون إليك، وأن تحفظ وطننا من الفساد والتقصير، وتجعله بلدًا آمنًا مطمئنًا، يفيض خيره على أهله، إنك ولي ذلك والقادر عليه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى