مقالات الظهيرة

د. محمد عوض محمد متولي يكتب…  التشريح الكلي لانهيار الجنيه السوداني: خارطة التعافي الاستراتيجي

إن ما يعيشه الجنيه السوداني اليوم لا يندرج في خانة اضطراب عابر في سعر الصرف، بل يمثل انهياراً منهجياً للسيادة النقدية وتصدعاً بنيوياً عميقاً في العقد الاجتماعي الاقتصادي الذي تجسده العملة الوطنية.

 

فحين يتراجع دخل الأستاذ الجامعي من ما يعادل مئتين وسبعة وستين دولاراً أميركياً قبل الخامس عشر من نيسان 2023 إلى ما لا يتجاوز أربعة وثلاثين دولاراً مع بداية العام 2026، وحين تتضاعف كلفة الوجبة الشعبية من أربعمئة جنيه إلى ثلاثة آلاف وخمسمئة جنيه، فإننا لا نتحدث عن موجة تضخمية عادية بل عن مصادرة كاملة للقوة الشرائية وانهيار متسارع للوظائف الثلاث للنقود. لقد قفز سعر الدولار من مستوى خمسمئة وستين جنيهاً إلى ما يربو على أربعة آلاف وأربعمئة جنيه في السوق الموازية، مسجلاً خسارة قيمية تتجاوز خمسة وثمانين بالمئة في غضون ستة وثلاثين شهراً فقط. وفي المدى الزمني ذاته تضخمت الكتلة النقدية المتداولة بنسبة مئة وخمسين بالمئة وفق النشرة الرسمية لبنك السودان المركزي، بينما انكمش الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي انكماشاً حاداً، وهو التباين الكلاسيكي الذي تشرحه نظرية كمية النقود في تفسير التضخم الجامح.

وبلغ معدل التضخم السنوي ثلاثمئة بالمئة حسب تقديرات الهيئات الأممية، مع ترجيح وصوله إلى أربعمئة بالمئة إذا استمرت آليات التمويل التضخمي القائمة. وتؤكد تقارير صحفية محلية موثوقة أن الدولار يواصل التحليق في ظل فشل الإجراءات وتراجع المؤشرات، بعد أن أخفقت كل المحاولات الإدارية في كبح سطوة السوق الموازية التي أصبحت صانع السعر الحقيقي للعملة. وجوهر المعضلة يكمن في اختلال المعادلة الكلية لا في سلوك المضاربين، فكل وحدة نقدية تُصدر دون أن يقابلها إنتاج سلعي أو خدمي تتحول فوراً إلى طلب فعال على النقد الأجنبي، لندخل حلقة مفرغة قوامها إصدار نقدي يليه ارتفاع في سعر الصرف فارتفاع في المستوى العام للأسعار ثم لجوء جديد للإصدار، وهي الحلقة التي التهمت خمسة وثمانين بالمئة من قيمة الجنيه منذ اندلاع العمليات الحربية.

 

إن التحليل الاقتصادي الرصين يقتضي تفكيك الأزمة إلى طبقاتها الخمس المتداخلة. الطبقة الأولى سياسية أمنية، إذ أدت الحرب إلى شلل شبه تام للقطاعات المولدة للنقد الأجنبي. فالسودان الذي يحتل المرتبة الثالثة أفريقياً في إنتاج الذهب بأكثر من خمسة وثمانين طناً سنوياً، فقد السيطرة على ثمانين بالمئة من إنتاجه الذي يُهرب عبر منافذ حدودية متعددة تديرها شبكات مرتبطة باقتصاد الحرب، ما أحدث نزفاً سنوياً في موارد الدولة يقدر بمليارين وخمسمئة مليون دولار، وهو مبلغ يفوق ضعف مخصصات قطاعي التعليم والصحة مجتمعين في الموازنة العامة.

وهكذا تحول المعدن النفيس من احتياطي استراتيجي محتمل إلى وقود مباشر للصراع، وتحول نشاط التعدين من رافعة تنموية إلى عامل تعجيل للتضخم. وفي الأسواق بات الدولار هو المآل، كما عبّر أحد المتعاملين في السوق الموازية رافضاً الكشف عن هويته حين قال إن الجنيه قد فارق الحياة.

وهذا الوصف القاسي تؤكده الأرقام، إذ تجاوزت نسبة الدولرة في المعاملات اليومية ثمانين بالمئة، وبلغت عمولة تحويل السيولة النقدية في بعض مناطق دارفور ما بين عشرين وخمسة وعشرين بالمئة من أصل المبلغ، في دلالة صارخة على فقدان الجنيه لوظيفته كوسيط للتبادل ومخزن للقيمة. وقد صرح مسؤول رفيع في بنك السودان المركزي، متحفظاً على ذكر اسمه، بأن المؤسسة لا تطبع نقوداً بل تطبع تضخماً، مستنداً إلى أن ما يربو على ستين بالمئة من الإنفاق العام في موازنة 2025 تمت تغطيته عبر الاستدانة المباشرة من البنك المركزي. الطبقة الثانية هيكلية إنتاجية،.

فالاقتصاد السوداني يعاني من اختلال مزمن يتمثل في الاعتماد على تصدير المواد الخام واستيراد السلع المصنعة، ما يجعله يدفع فاتورة القيمة المضافة مرتين. ومع كل تراجع في قيمة العملة الوطنية تتضاعف هذه الفاتورة، متحولاً عجز الميزان التجاري من مزمن إلى قاتل. وقد توقف تصدير المحاصيل النقدية كالصمغ العربي والقطن والسمسم بنسبة تفوق سبعين بالمئة نتيجة تعطل مشروع الجزيرة ومناطق الإنتاج المروي، مسبباً خسارة في الحصائل التصديرية تقدر بمليار وثلاثمئة مليون دولار سنوياً. الطبقة الثالثة نقدية مالية.

وتتمثل في لجوء السلطات المالية إلى التمويل بالعجز عبر الإصدار النقدي المباشر لتعويض الانهيار في الإيرادات السيادية. وكل وحدة نقدية مصدرة دون غطاء إنتاجي تمثل ضريبة تضخمية غير معلنة تُستقطع من مدخرات المواطنين وأصحاب الدخول الثابتة.

الطبقة الرابعة سلوكية نفسية، حيث تحول سعر الصرف الموازي إلى متغير نفسي جمعي. فعندما يترسخ اليقين لدى الأفراد بأن العملة الوطنية ستفقد عشرة بالمئة من قيمتها غداً، يسارعون اليوم إلى تحويل مدخراتهم إلى أصول حافظة للقيمة كالذهب والنقد الأجنبي، فيرتفع الطلب على الدولار وينخفض الجنيه أكثر، لتتحقق نبوءة التضخم ذاتياً وفق نظرية التوقعات الرشيدة.

الطبقة الخامسة جيوسياسية إقليمية، حيث ضاعفت الاضطرابات في ممرات الملاحة الدولية في البحر الأحمر كلفة الاستيراد بنسب تراوحت بين ثلاثين وأربعين بالمئة، كما أدى تراجع تدفقات المساعدات الخارجية نتيجة تبدل الأولويات الدولية إلى تجفيف أحد أهم روافد النقد الأجنبي التي كانت تغطي جزءاً من العجز في ميزان المدفوعات.

 

إن سرعة انهيار الجنيه السوداني تفوق في حدتها تجارب تاريخية موثقة. فبينما استغرقت زيمبابوي ثمانية عشر شهراً للوصول إلى مستويات تضخم تقاس بمليارات النقاط المئوية عام 2008، بلغ السودان معدل تضخم يناهز أربعمئة بالمئة خلال أربعة وعشرين شهراً فقط في ظل حرب مفتوحة وتدمير ممنهج للطاقة الإنتاجية. وبقياس نسبة التآكل القيمي إلى الوحدة الزمنية، يتضح أن منحنى الانحدار السوداني أكثر حدة بنسبة ثلاثين بالمئة. ولبنان يقدم درساً آخر مفاده أن تثبيت سعر الصرف بالقوة الإدارية مع وجود عجز هيكلي عميق هو انتحار نقدي يضاعف الكلفة الاجتماعية للإصلاح عشرة أضعاف.

في المقابل، تقدم تجربة تركيا عام 2001 نموذجاً مضاداً يثبت أن الإرادة السياسية الصلبة المقرونة بوقف التمويل التضخمي وتحرير سعر الصرف ومنح الاستقلالية الكاملة للبنك المركزي قادرة على تحقيق تعافٍ ملموس في غضون ثلاث سنوات. وعليه، فإن المسار السوداني الراهن أقرب إلى النموذج الزيمبابوي واللبناني في حال استمرار إنكار الحقائق الاقتصادية، لكنه يمتلك إمكانية الولوج إلى المسار التركي شريطة توفر الإرادة السياسية والغطاء المجتمعي.

 

إن التشخيص الاقتصادي دون روشتة تنفيذية محددة المسؤوليات والآجال يغدو ترفاً فكرياً. لذا فإن الخروج يقتضي حزمة من ثلاث وثلاثين توصية استراتيجية متكاملة. يبدأ الأمر بالوقف الفوري والكامل لتمويل عجز الموازنة العامة عبر الإصدار النقدي، بقرار ملزم من مجلس إدارة بنك السودان المركزي يُنشر في الجريدة الرسمية، مع إلزام وزارة المالية بإعادة هيكلة أولويات الإنفاق العام وحذف البنود غير الإنتاجية خلال خمسة عشر يوماً.

ثم توحيد سعر الصرف وفق نظام التعويم المدار، على أن يتحدد السعر عبر آليات السوق مع هامش تذبذب يومي لا يتجاوز اثنين بالمئة يتم توسيعه تدريجياً، مع التزام البنك المركزي بالنشر اليومي لبيانات الاحتياطي الأجنبي والتدفقات النقدية تعزيزاً للشفافية وبناءً للثقة.

ويتبع ذلك فتح نوافذ بيع النقد الأجنبي للأفراد عبر المصارف التجارية بسقف خمسمئة دولار شهرياً للفرد وبسعر مقارب لسعر السوق الموازية، على أن يتم التمويل من حصائل تحويلات المغتربين تحت إشراف رقابي مباشر. كما يتطلب الأمر طرح صكوك استثمارية مربوطة بالذهب لامتصاص فائض السيولة، تصدرها وزارة المالية بالتنسيق مع البنك المركزي بعائد مرتبط بالسعر العالمي للذهب، مستهدفة جمع ما يعادل خمسمئة مليون دولار خلال تسعين يوماً. ولا بد من إلزام كافة المصدرين بتوريد حصائل صادراتهم عبر الجهاز المصرفي خلال ثلاثين يوماً من تاريخ الشحن، مع تطبيق عقوبة الإيقاف المؤقت عن التصدير بحق المخالفين. ويُحظر تصدير الذهب في صورته الخام ويُقصر التصدير على السبائك المعيارية بعيار تسعمئة وتسعة وتسعين جزءاً من الألف، عبر كافة المنافذ باستخدام أجهزة فحص ومعايرة دولية معتمدة.

ويستدعي التعافي إنشاء خمس مناطق صناعية زراعية متكاملة في ولايات الجزيرة وكسلا ونهر النيل وشمال كردفان ودارفور، بشراكة تعاقدية مع القطاع الخاص وفق صيغة البناء والتشغيل ونقل الملكية، مع منح إعفاءات ضريبية وجمركية لمدة عشر سنوات لكل منشأة صناعية تصدر سبعين بالمئة من إنتاجها كحد أدنى.

كما يجب إعادة تأهيل مشروع الجزيرة وفق نموذج الشراكة الثلاثية بين الدولة والمزارعين والمستثمرين بإدارة فنية محترفة، يموله صندوق سيادي تنموي برأسمال تأسيسي مئتي مليون دولار.

ويُؤسس لذلك الشركة السودانية القابضة للصادرات الزراعية بهيكل ملكية تتوزع فيه واحد وخمسون بالمئة للدولة وتسعة وأربعون بالمئة للقطاع الخاص، لتتولى تجميع المحاصيل وضمان الجودة والتفاوض الدولي. ويُوطن في هذا السياق الصناعات المغذية للزراعة وعلى رأسها الأسمدة والمبيدات، عبر منح تراخيص مشروطة بالالتزام بنقل التقنية خلال ثلاث سنوات. وتنشأ بورصة للسلع الزراعية في مدينتي ود مدني والأبيض لضمان الشفافية في التسعير ومنع الممارسات الاحتكارية.

ويُطلق برنامج للتحويلات النقدية المباشرة يشمل أفقر أربعين بالمئة من الأسر السودانية عبر منظومة الهاتف المحمول، اعتماداً على قاعدة بيانات محدثة ومدققة. ويُبنى احتياطي استراتيجي حكومي لخمس سلع أساسية هي الدقيق وزيت الطعام والسكر والعدس وحليب الأطفال، يُدار عبر الشراء الموسمي والبيع المدروس لضبط الأسعار. وتُعفى كافة الأدوية المنقذة للحياة والمستلزمات الطبية الحيوية من الرسوم الجمركية والضرائب كافة بقرار فوري. وتُعاد هيكلة سلم الأجور والمرتبات في القطاع العام لربطها بمؤشر ربع سنوي للتضخم. ويُصدر ضمان حكومي مؤقت لحماية الودائع المصرفية للأفراد حتى سقف عشرة ملايين جنيه بهدف استعادة الثقة في الجهاز المصرفي. ويُنشأ صندوق زكاة مركزي للطوارئ الاقتصادية، يُدار وفق آليات صرف شفافة تستهدف المناطق المتأثرة بالمجاعة والحصار.

ويُلزم بالنشر الشهري والدقيق لبيانات الموازنة العامة وميزانية البنك المركزي قبل اليوم العاشر من كل شهر. ويُؤسس ديوان مستقل للرقابة على المال العام يتبع للسلطة التشريعية الانتقالية، ويتم تعيين أعضائه من القضاة وخبراء المحاسبة والمراجعة المشهود لهم بالكفاءة والنزاهة. ويُفعّل قانون حق الحصول على المعلومات عبر إصدار لائحته التنفيذية خلال ثلاثين يوماً. ويُنفذ برنامج تدريبي متخصص لخمسمئة صحفي وصحفية في مجال الصحافة الاقتصادية ورصد وتحليل الأداء الكلي بصورة علمية بعيداً عن التهويل.

وتُستحدث منصة إلكترونية محمية للإبلاغ عن حالات الفساد المالي والإداري مع توفير ضمانات قانونية كاملة بعدم ملاحقة المبلغين.

ويُخضع أداء بنك السودان المركزي لمراجعة فنية دورية كل ستة أشهر بواسطة فريق خبراء من صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، مع نشر التقرير النهائي للرأي العام. وتُعاد العلاقات الفنية والمالية بشكل كامل مع مؤسستي بريتون وودز، عبر وفد تفاوضي رفيع المستوى يتمتع بصلاحيات تفويضية كاملة. ويُقدم طلب رسمي للانضمام إلى مبادرة الدول الفقيرة المثقلة بالديون، عبر إعداد ملف فني ومالي متكامل بالاستعانة ببيوت الخبرة الدولية.

ويُنظم مؤتمر دولي لأصدقاء السودان لحشد الموارد والتعهدات التنموية بهدف جمع خمسة مليارات دولار كحد أدنى. ويُتفاوض على اتفاقيات ثنائية لتبادل العملات مع دول جوار ذات اقتصاديات مستقرة بهدف تقليل الضغط على الطلب على الدولار الأميركي. ويُؤسس خط ائتمان دوار لتمويل الصادرات بقيمة مليار دولار لدى مجموعة من البنوك الإسلامية الكبرى بضمان العائدات المستقبلية لصادرات الذهب.

وتُجذب مدخرات واستثمارات السودانيين العاملين بالخارج عبر إصدار سندات سيادية دولارية بعائد سنوي سبعة بالمئة ومعفاة من كافة أنواع الضرائب والرسوم. وتُقاد مفاوضات سيادية رفيعة المستوى لإعفاء السودان من الديون السيادية التي تراكمت بسبب الحرب.

ويُطور ويُطلق نظام الدفع الإلكتروني القومي الموحد خلال تسعين يوماً لتقليل الاعتماد على التعامل النقدي المباشر. ويُرفع مؤقتاً السرية المصرفية عن الحسابات التي تتجاوز أرصدتها مئة مليون جنيه لمكافحة جرائم غسل الأموال وتمويل الأنشطة غير المشروعة المرتبطة بالحرب. وتُنشأ بورصة منظمة لتداول العملات الأجنبية تحت الإشراف الرقابي المباشر لبنك السودان المركزي ضمن سوق الخرطوم للأوراق المالية، بهدف تفريغ ضغط السوق الموازية عبر قنوات شفافة ومنظمة.

 

إن إنقاذ الجنيه السوداني يمثل اختباراً تطبيقياً معقداً لعلم الاقتصاد السياسي في سياق دول ما بعد الصراع. فالعملة الوطنية لا تنهار بسبب تقادم آلات طباعتها، بل بسبب تآكل الشرعية الإنتاجية والأمنية والمؤسسية للدولة التي تصدرها وتضمنها.

والتحليل الكمي الرصين يثبت أن كل وحدة نقدية مصدرة دون غطاء سلعي أو خدمي حقيقي تمثل اقتراضاً قسرياً من الاستهلاك المستقبلي للفئات الأضعف، وأن كل دولار يتم تهريبه عبر قنوات الاقتصاد الموازي يمثل رصاصة إضافية في جسد الاقتصاد الوطني المنهك، وأن كل يوم يمر دون اتخاذ قرارات إصلاحية جذرية يضاعف الكلفة الاجتماعية والاقتصادية للتعافي المستقبلي وفق المتواليات الأسية للتضخم الجامح. وعليه، فإن الخروج من هذا النفق يستوجب التلازم الصارم والمتزامن بين ثلاثية السلام والإنتاج واستعادة الثقة. فالسلام يوقف عملية التدمير المنهجي للأصول الرأسمالية والبشرية، والإنتاج يعيد للعملة الوطنية غطاءها السلعي الحقيقي ويوسع قاعدة العرض، واستعادة الثقة تمنح البنك المركزي القدرة مجدداً على إدارة التوقعات والتحكم في المتغيرات النقدية.

والتجارب الدولية المقارنة تثبت بما لا يدع مجالاً للشك أن الدول التي نجحت في العبور من أزمات مماثلة قد التزمت بثلاثة محددات دون مواربة، أولها الوقف الفوري والحاسم للتمويل التضخمي لعجز الموازنة، وثانيها استعادة الاستقلالية الكاملة والتامة للبنك المركزي عن السلطة التنفيذية، وثالثها بناء شبكة حماية اجتماعية فعالة تحمي الفئات الهشة خلال فترة العبور الإصلاحي. إن السودان يمتلك المقومات الموضوعية للتعافي، فهو يزخر باحتياطيات مؤكدة من الذهب تتجاوز خمسة وثمانين طناً سنوياً، ويمتلك أربعين مليون فدان من الأراضي الصالحة للزراعة، ويتمتع بموقع جيوسياسي استراتيجي على ساحل البحر الأحمر.

غير أن المعضلة الجوهرية تكمن في فجوة القرار السياسي لا في ندرة الموارد. ومن دون قرار سيادي شجاع وحاسم يوقف نزيف الدم أولاً ثم يوقف نزيف القيمة ثانياً، سيظل الجنيه السوداني مجرد مرآة مكسورة تعكس صورة دولة تنزف، وسيبقى كل جهد إصلاحي نقدي معزول مجرد محاولة عبثية لتجميل واقع متداعٍ.

إن سنن التاريخ الاقتصادي لا تجامل المترددين، ومعادلات الاقتصاد الكلي لا تحابي النوايا الحسنة. فإما خطة وطنية واضحة المعالم، محددة المسؤوليات، مربوطة بجداول زمنية صارمة كما فصلنا، وإما الاستمرار في سياسة طباعة التضخم حتى يبتلع ما تبقى من مقدرات الوطن ومستقبل أجياله.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى