د. عبد الوهاب عبد الفضيل يكتب… خطاب الكراهية… متاريس تعيق رتق النسيج الاجتماعي!!

هناك كلمات تُبنى بها الأوطان، وأخرى تُهدم بها المجتمعات.
وما بين البناء والهدم تقف مسؤولية الكلمة، فهي ليست مجرد حروف تُقال أو تُكتب، وإنما مواقف تُشكّل الوعي وتصنع الاتجاهات.
ومن أخطر ما ابتُليت به المجتمعات في السنوات الأخيرة تصاعد خطاب الكراهية، ذلك الخطاب الذي يحوّل الاختلاف الطبيعي إلى خصومة، والتنوع الإنساني إلى ساحة صراع، ويزرع في النفوس بذور الشك والعداء، ولأن السودان يقف اليوم عند مفترق طرق، فإن أخطر ما يواجهه ليس الخراب المادي وحده، بل التصدعات التي أصابت العلاقات بين أبناء الوطن الواحد.
فالحروب تنتهي يومًا، أما آثار الكراهية فقد تبقى لأجيال إذا وجدت من يغذيها ويبررها ويمنحها منابر تتحدث باسم السياسة أو القبيلة أو الجهة أو حتى الدين ، الكراهية لا تُصلح مظلمة، ولا تعيد حقًا، ولا تبني دولة.
إنها تشبه النار التي يظن مشعلها أنها ستلتهم خصومه، لكنها لا تلبث أن تمتد إلى بيته. وكل خطاب يصنف الناس على أساس العرق أو القبيلة أو اللون أو الجهة، ويجردهم من إنسانيتهم، لا يصنع انتصارًا لأحد، بل يفتح أبوابًا جديدة للانتقام ويغلق نوافذ المصالحة، لقد أصبحت منصات التواصل الاجتماعي ساحة مفتوحة لهذا الخطاب، حيث تنتشر الشائعات، وتُفبرك الروايات، وتُستثمر مشاعر الغضب لتأجيج الانقسام.
وفي زحام المنشورات والتعليقات، تضيع الحقيقة أحيانًا، بينما تكسب الكراهية أرضًا جديدة في العقول والقلوب إن رتق النسيج الاجتماعي لا يتم بالمؤتمرات وحدها، ولا بالاتفاقات السياسية مهما كانت أهميتها، بل يبدأ من إعادة الاعتبار لقيمة الإنسان، أي إنسان، بصرف النظر عن انتمائه.
يبدأ من تعليم أطفالنا أن التنوع نعمة، وأن الاختلاف لا يعني العداوة، وأن المواطنة هي المظلة التي تتسع للجميع. كما أن للإعلام دورًا لا يقل أهمية عن دور المؤسسات التربوية والدينية. فإما أن يكون جسرًا للحقيقة والتسامح، وإما أن يتحول إلى منصة تعيد إنتاج الانقسام.
والكلمة المسؤولة ليست تلك التي تُرضي جمهورًا غاضبًا، بل التي تُنقذ مجتمعًا من الانزلاق إلى هاوية لا قرار لها، إن السودان اليوم لا يحتاج إلى متاريس جديدة تُبنى بالكلمات، بل إلى جسور تمتد بين أبنائه.
يحتاج إلى خطاب يعترف بالجراح دون أن يحولها إلى وقود للكراهية، ويطالب بالعدالة دون أن يدعو إلى الانتقام، ويؤسس لمستقبل يتسع للجميع ، فالأوطان لا تُخاط بخيوط التعصب، وإنما تُرتق بخيوط الحكمة والعدل والتسامح. وكل كلمة تُقال اليوم ستكون شاهدًا لنا أو علينا غدًا.
فإما أن نختار لغة تبني وطنًا يتسع للجميع، وإما أن نستمر في تشييد متاريس الكراهية التي لن تعيق رتق النسيج الاجتماعي فحسب، بل قد تمزقه إلى ما لا يمكن إصلاحه.



