مقالات الظهيرة

د. عبد الرؤوف قرناص يكتب… يا البرهان… أعرض عن هذا!!

تحية خاصة للأستاذ الصحفي القدير أبشر الماحي الصايم على مقاله المتفرد: «لا ذنب للبرهان ولا عزاء للبشير»، والذي جاء سردًا للأحداث دون القفز فوق المراحل، فجمع بين مصداقية الزمان والمكان والهدف.

 

لكننا لا ننشد الآن اجترار الأحداث، ولا إعادة فتح دفاتر الماضي بحثًا عن مذنب جديد كل صباح.

فالكارثة التي حلت بالسودان أكبر من أن تُختزل في كلمة «غفلة» وأعقد من أن تُعالج بمجرد تبادل الاتهامات.

 

وإذا كان الاعتراف بالغفلة شجاعة وإحساسًا بالمسؤولية، فإن الشجاعة الأكبر هي اجتراح الحلول الإيجابية، والاستعانة بالكفاءات الوطنية والخبرات المتخصصة، ووضع خارطة طريق واضحة للخروج من هذا النفق.

 

الحرب اللعينة ما زالت تشد أطراف الدولة شرقًا وغربًا، والأعداء يتربصون بالسودان عسكريًا ودبلوماسيًا، وكان آخر ذلك محاولات فرض حظر شامل على أجوائه وأراضيه تحت دعاوى إنسانية، بينما الغاية الحقيقية هي تقييد حركة الدولة وجيشها ومنعه من استكمال استعادة ما تبقى من التراب الوطني.

 

ولذلك يا سعادة الفريق البرهان… أعرض عن هذا.

 

لا تتوغل أكثر في وحل ما مضى. ليس هذا وقته، والنفس أمارة بالسوء، والسياسة التي تنشغل بالماضي بينما الوطن ينزف هي سياسة تستنزف ما تبقى من طاقة الدولة.

 

الشعب السوداني اليوم لا يريد أن يعرف كل يوم ماذا فعلت «قحت» ولا ماذا تريد «صمود» ولا من قال ماذا ومن رد على من.

 

الشعب يريد أن يعرف: ماذا سنفعل نحن؟

 

وهنا تحديدًا يأتي حديثكم عن الذهب.

 

بلاد تنتج، وفق التقديرات المتداولة، ما بين 70 ومئة طن من الذهب، ثم لا تنال الخزينة العامة من هذه الثروة إلا الفتات!

 

هذا هو السؤال الذي ينبغي أن يقض مضجع كل من تصدى لقيادة البلاد.

 

أين الذهب؟

 

وأين عائداته؟

 

وأين حصائل الصادر؟

 

ولماذا لا تتحول ثروات السودان إلى مدارس ومستشفيات وطرق وكهرباء ومياه وإنتاج؟

 

ولماذا لا نروي كل شبر، وليس فقط كل فدان، من مشروع الجزيرة؟

 

لماذا لا تعود حصائل الصادر إلى الخزينة العامة، وتُدار موارد البلاد بمنطق الدولة لا بمنطق ردود الأفعال؟

 

هذه هي المعركة الحقيقية.

 

فالمعركة ليست عسكرية فقط؛ إنها اقتصادية واجتماعية ونفسية أيضًا.

 

هناك شباب وشابات ما زالوا يسمعون يوميًا من يزرع في نفوسهم اليأس، ويقول لهم إنه لا أمل في السودان، وأن البلاد لا مستقبل لها.

 

وهؤلاء أخطر على مستقبل الوطن من كثير من الخنادق والمتاريس؛ لأن الوطن الذي يفقد الأمل في نفوس شبابه قد ينتصر عسكريًا، لكنه يخسر معركة المستقبل.

 

لذلك فإن المطلوب الآن هو تقوية الجبهة الوطنية الداخلية، والاصطفاف حول مشروع واضح لإعادة البناء والإعمار والتنمية.

 

مشروع لا يقوم على الأشخاص، ولا على المحاصصات، ولا على تصفية الحسابات، وإنما على الكفاءة والإنجاز والمساءلة.

 

وأول الطريق هو إعادة بناء دولة المؤسسات والقانون، وفي مقدمتها جيش وطني واحد، ومؤسسات أمنية وطنية موحدة، واحتكار السلاح والعنف للدولة وحدها، فلا مليشيا فوق القانون، ولا قوة موازية للدولة، ولا مستقبل لكيانات تتقاسم معها السيادة أو القرار.

 

يا سعادة الفريق البرهان…

 

لقد أخذ الماضي ما يكفي من وقتنا، وأخذت الحرب ما يكفي من دمائنا.

 

فدعوا الماضي يكون درسًا وعبرة، لا مشروعًا دائمًا لإعادة إنتاج الصراع.

 

فالقيادة الرشيدة ليست التي تنتصر في معركة السجال، وإنما التي تنتصر في معركة البناء.

 

وليست التي تعيد إنتاج الفشل بأسماء جديدة، وإنما التي تفتح الطريق أمام الكفاءات، وتضع الأهداف، وتقيس النتائج، وتحاسب المقصرين.

 

السودان اليوم لا يحتاج إلى من يوقظ جراحه كل صباح… بل إلى من يزرع الأمل، ويعيد بناء الدولة، ويحول ثرواته إلى قوة، وانتصارات الحرب إلى سلام، والسلام إلى إنتاج وتنمية وازدهار.

 

ذلك هو التحدي الحقيقي.

 

وذلك هو ما ينتظره الشعب من قيادته.

 

يا البرهان… أعرض عن هذا، وأقبل على المستقبل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى