مقالات الظهيرة

د. عبد الرؤوف قرناص يكتب… فريق المريخ يعسكر في الإسماعيلية… أين مدينة مروي السياحية؟

لا أدّعي فهماً كبيراً في كرة القدم ولا في تفاصيل معسكرات الأندية واشتراطاتها، رغم أنني سعدت كثيراً بفوز منتخب الشباب، متمنياً له مزيداً من التقدم والنجاح بإذن الله.

 

لكن خبر ذهاب فريق المريخ السوداني إلى معسكر في الإسماعيلية بمصر جعلني أتوقف عند سؤال أكبر من كرة القدم نفسها:

 

السودان الحدادي مدادي… فلماذا لا يجد المريخ مكاناً مناسباً لمعسكره داخل وطنه؟

 

ليس اعتراضاً على مصر ولا على الإسماعيلية، فمصر بلد شقيق وأرضها مفتوحة للسودانيين، ولكن الاعتراض على طريقة تفكيرنا نحن.

 

هل سأل أحد: ماذا ينقص السودان حتى نستطيع استضافة أحد أكبر أنديتنا؟

 

هل سأل الاتحاد السوداني لكرة القدم؟

هل سألت إدارة المريخ؟

هل تحركت وزارة الرياضة؟

هل فكرت وزارة السياحة؟

هل فكرت ولاية نهر النيل أو الولاية الشمالية في تقديم نفسها كوجهة للمعسكرات الرياضية؟

 

أم أننا اعتدنا ببساطة أن يكون الحل دائماً خارج السودان؟

 

ما الذي ينقص مدينة مروي السياحية تحديداً؟

 

مروي ليست قرية نائية بلا مقومات.

 

هناك التاريخ، والآثار، والنيل، والفنادق، والطرق، والمطار، وجبل البركل، وأهرامات كريمة، والدفوفة، وجزر الكاسنجر، وغيرها من المقومات التي يمكن أن تجعل معسكراً رياضياً مناسبة سياحية وإعلامية في الوقت نفسه.

 

تخيلوا بعثة المريخ وهي في مروي.

 

اللاعبون يتدربون صباحاً، ثم يزورون جبل البركل.

 

صور نجوم الفريق تنتشر أمام الأهرامات.

 

رحلة نيلية إلى جزر الكاسنجر.

 

زيارة للدفوفة.

 

وإذا كانت الظروف تسمح، تتوقف حافلات البعثة في البجراوية، ثم النقعة والمصورات.

 

كم مليون سوداني سيتابعون هذه الصور؟ وكم شخصاً خارج السودان سيتعرف للمرة الأولى على هذه المواقع؟

 

هذه هي العقلية التي نفتقدها.

 

نحن لا نرى في الحدث إلا نشاطاً ينتهي بانتهاء المناسبة، بينما العالم يحوّل الرياضة إلى سياحة واقتصاد وترويج واستثمار.

 

معسكر فريق كبير ليس مجرد تدريبات ومباريات ودية.

 

إنه منصة إعلامية متحركة.

 

والسؤال المؤلم: لماذا لا نستفيد منها؟

 

إذا كانت مروي لا تملك ملعباً بالمواصفات المطلوبة، فلنضع خطة لإنشاء أو تأهيل ملعب.

 

إذا كانت المشكلة في الإقامة، فلنطور الفنادق.

 

إذا كانت المشكلة في الخدمات الطبية والتغذية والنقل والاتصالات، فلنضع الاشتراطات ونعالجها.

 

أما أن نقول إن هذه الأشياء غير موجودة، ثم نرسل الفرق إلى الخارج، فهذه ليست معالجة للمشكلة؛ هذه هروب منها.

 

والأخطر أن نكرر الأمر عاماً بعد عام، ثم نتحدث عن تنشيط السياحة وجذب المستثمرين والترويج للسودان.

 

كيف نريد من السائح الأجنبي أن يأتي إلى مروي إذا كان فريق سوداني كبير لا نعطيه نحن فرصة للمعسكر فيها؟

 

السياحة لا تُبنى بالشعارات… السياحة تُبنى بالتجربة والتسويق.

 

وفريق مثل المريخ يستطيع أن يقدم تجربة مجانية لا تستطيع وزارة كاملة أن تشتري مساحتها الإعلامية.

 

تخيلوا العنوان:

 

«المريخ يعسكر في مروي»

 

ثم الصور والفيديوهات والحديث الجماهيري عن جبل البركل وأهرامات كريمة والنيل وجزر الكاسنجر.

 

وقد يصبح ذلك تقليداً سنوياً، ليس للمريخ وحده، وإنما للهلال وبقية الأندية والمنتخبات، بل للأندية والمنتخبات من دول الجوار إذا توافرت الاشتراطات.

 

هنا تتحول الرياضة إلى اقتصاد.

 

وهنا تتحول كرة القدم إلى سفير للسياحة.

 

وهنا نبدأ فعلاً في استغلال ما نملك بدلاً من البكاء على ما ينقصنا.

 

المشكلة ليست دائماً في عدم وجود الإمكانات… أحياناً المشكلة في عدم رؤية الإمكانات الموجودة أصلاً.

 

ولذلك، فالمطلوب من الجهات المعنية ليس تبرير لماذا يعسكر المريخ في الإسماعيلية، وإنما الإجابة عن سؤال أكثر أهمية:

 

ماذا سنفعل حتى يكون معسكر المريخ القادم في مروي أو في أي مدينة سودانية مؤهلة؟

 

هذا هو السؤال.

 

وهذه هي المسؤولية.

 

والفرصة لا تنتظر طويلاً.

 

يا جماعة… بلادنا جميلة، ولكن آن الأوان أن نتصرف كأننا نعرف ذلك.

 

يا ريت نبدأ من مروي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى