سودري تتحرر بالجيش وحفير الملوي ينتصر بمؤسسة سودان فاونديشن.. حينما يلتقي سلاح القوات المسلحة بماء التنمية فتسقط المليشيا ويعود السودان من بوابة شمال كردفان

بقلم🖋️ الدكتور محمد عوض محمد متولي – المحلل والأكاديمي والخبير الاقتصادي المشارك بمركز الخبراء للدراسات الإنمائية وتحليل الأزمات – سبتمبر 2026م*
_______________
نصر من الله وفتح قريب، بحمد الله وتوفيقه تمكنت القوات المسلحة السودانية والقوات المقاتلة معها من تحرير مدينة سودري وما جاورها أبو جالب والملوي، وفي اتصال مباشر مع المهندس آدم فرح مدير مياه محلية سودري فقد أكد تحرير منطقة أبو جالب ومنطقة الملوي التي أنشأت فيها منظمة سودان فاونديشن حفيرا إستراتيجياََ، والآن القوات المسلحة تطارد العدو خارج محلية سودري، التحية لأهلنا في الملوي، وسيفيدنا المهندس آدم بأخبارهم عند عودة الاتصالات بالمنطقة فما تزال الاتصالات مقطوعة عن المنطقة، والجدير بالذكر أنه تم التواصل مع الأهل في منطقة ام باي روا حيث يبلغون أسرة منظمة سودان فاونديشن التحايا والشكر على الإنجاز الكبير بقيام الحفير وهي الآن بحالة ممتازة وممتلئة، والحمد والشكر لله رب العالمين.
إن هذا الخبر الذي يبدو في ظاهره خبراََ ميدانياََ عابراََ عن استعادة محلية هو في جوهره وحقيقته تحول إستراتيجي عميق في ميزان الحرب وفي منطق الدولة السودانية ذاتها، فسودري ليست مدينة هامشية على أطراف الخريطة بل هي أكبر محليات ولاية شمال كردفان مساحة وأخطرها موقعاََ، فهي تقع في أقصى شمال غرب الولاية متاخمة لولاية شمال دارفور غربا ومحليتي النهود وود بندة جنوبا ومفتوحة على الولاية الشمالية شمالا، وهي حلقة الوصل البرية الرئيسية التي تربط دارفور بكردفان وبالخرطوم، وقد ظلت لأكثر من عامين تحت قبضة قوات الدعم السريع كأكبر معاقلها في شمال كردفان وكمركز إمداد وعمليات تنطلق منه الهجمات على الأبيض وبارا وأم درمان، ولهذا فإن بيان القيادة العامة للقوات المسلحة يوم الجمعة 25 سبتمبر 2026م الذي أعلن تحريرها بعد معارك شرسة كبدت المليشيا خسائر فادحة في الأرواح والعتاد ليس بيانا عسكرياََ فحسب بل هو إعلان عن انهيار خط الدفاع الشمالي الغربي للمليشيا وعن فتح طريق كردفان دارفور الذي تحدثنا عنه طويلاََ في الميثاق الاقتصادي السوداني كطريق 1.5 مليار دولار من الصمغ والذهب والثروة الحيوانية، وقد أكد ذلك الخبير العسكري اللواء الركن عثمان سراج في حديثه للجزيرة نت بأن السيطرة على سودري تمثل إنجازاََ إستراتيجياََ كبيراََ لأنها تعزز عمق السيطرة للقوات المسلحة التي تسعى لتنفيذ عمليات إحاطة كاملة لمنطقتي الخوي والنهود، وأن القوات المسلحة أضافت بعداََ جغرافياََ للمناورة وقللت فرص العدو من المناورة في شمال كردفان وكسبت مساحات شاسعة تستطيع من خلالها تسيير سلاسل الإمدادات بشكل جيد، وأن الضربة تسبب إنهياراََ نفسياََ للعدو ولربما تقود إلى إنشقاقات وفقدان القيادة والسيطرة خلال الأيام القادمة، وقد سبق هذا التحرير إنشقاق قوة من الدعم السريع تضم 21 قائدا و270 عنصراََ وانضمامها للجيش في 13 سبتمبر، وتقدم الجيش في المزروب وجبرة الشيخ وأم بادر وحمرة الوز وبارا وأم سيالة وتأمين الطريق القومي الرابط بين بارا وأم درمان، وكل ذلك يؤكد أن معركة كردفان الثلاث شمال وغرب وجنوب المشتعلة منذ 25 أكتوبر الماضي دخلت مرحلة الحسم الجغرافي لا التكتيكي.
والقراءة الاقتصادية الفنية لهذا التحرير تكشف أن الحرب في السودان كانت ولا تزال حرب ماء وذهب قبل أن تكون حرب بنادق، فسودري والملوي وأبو جالب تقع في حزام الصمغ العربي الذي ينتج السودان منه 70 إلى 80% من الإنتاج العالمي حسب تقرير الأمم المتحدة يوليو 2025م، وتقع في حزام الذهب التقليدي الذي ينتج 58.376 طن بنسبة 116% من خطة الشركة السودانية للموارد المعدنية التي بلغ إنتاجها 70.15 طن في 2025م، وتقع في حزام الثروة الحيوانية التي صدر منها رسميا 466 مليون دولار في 2025م رغم الحرب، وكل هذه الموارد كانت تخرج عبر التهريب بنسبة 48 إلى 60% حسب شعبة مصدري الذهب لأن المليشيا كانت تسيطر على الآبار والحفائر وتمنع الدولة من جباية جرام واحد.
وهنا تبرز القيمة الاستراتيجية الكبرى لما أنجزته منظمة سودان فاونديشن في الملوي وفي ام باي روا، فالحفير الذي يتحدث عنه المهندس آدم فرح ليس حفرة ماء بل هو بنك مركزي متنقل ومصنع سيادة، فحين يمتلئ حفير الملوي وحفير ام باي روا بالماء في منطقة مقطوعة الاتصالات ويبقى بحالة ممتازة وممتلئة رغم الحرب فهذا يعني أن الثروة الحيوانية بقيت وأن الرعاة بقوا وأن خط الإمداد الغذائي بقي وأن الأرض لم تتصحر، والماء في شمال كردفان يساوي النفط في الخليج، فكل حفير يحفظ 50 ألف متر مكعب من الماء يحفظ ما قيمته 2 مليون دولار ثروة حيوانية ويمنع نزوح 5 آلاف أسرة ويوفر على الدولة 500 ألف دولار علف مستورد، وقد أثبتت تجربة منظمة سودان فاونديشن أن التنمية الذكية تسبق البندقية وأن المهندس آدم فرح مدير مياه محلية سودري حين يحافظ على الحفير تحت القصف يكون قد قاتل أكثر من كتيبة، وأن شكر أهل ام باي روا لأسرة منظمة سودان فاونديشن هو استفتاء شعبي على أن الشرعية الحقيقية هي شرعية من يجلب الماء لا من يحمل السلاح
وأن القوات المسلحة حين تطارد العدو خارج محلية سودري فإنها في الحقيقة تحمي إستثماراََ تنموياََ بقيمة 6 مليار دولار ذهب مهرب لو عاد عبر بورتسودان لخفض الدولار من 8000 جنيه إلى 1000 جنيه كما فصلنا في مقال الاحتكار السيادي للذهب.
والقراءة العسكرية الاستراتيجية المتكاملة تقول إن تحرير سودري وأبو جالب والملوي يمثل تطبيقا نموذجياََ لنظرية العمق الاستراتيجي المائي، فالجيش السوداني لم يعد يقاتل من أجل المدن بل من أجل المياه والحفائر، ومن يسيطر على حفير الملوي يسيطر على حركة 300 كيلومتر مربع حوله، ومن يسيطر على سودري يقطع خط إمداد المليشيا من شمال دارفور إلى الخوي والنهود، ويؤمن طريق بارا أم درمان الذي هو شريان الخرطوم الغربي، ويفتح الباب لتحرير حمرة الشيخ وأم بادر ثم النهود والخوي وصولا إلى الفاشر، وهذا هو ما قصده الجيش حين قال إنه يطارد العدو خارج المحلية أي أنه انتقل من الدفاع عن الأبيض إلى الهجوم نحو دارفور، وهو تحول أكدته الجزيرة نت بعنوان السيطرة على سودري هل تفتح الطريق إلى تحرير دارفور، والإجابة نعم لأن سودري هي بوابة دارفور الشرقية، وإذا سقطت سقط معها مثلث المزروب وجبرة الشيخ وأم بادر الذي كان يمثل قاعدة انطلاق المسيرات التي قصفت الأبيض وقتلت شخصين وجرحت 20 في الأسبوع الماضي حسب حكومة شمال كردفان، ولهذا فإن تحرير سودري ليس نهاية معركة بل بداية إنهيار نفسي وعملياتي للمليشيا التي وجدت موطئ قدم في الجارة إثيوبيا حسب اللواء سراج والتي تعاني انقساما داخليا بعد انشقاق 21 قائدا.
إن المشهد اليوم يلخص معادلة السودان الجديد بجلاء لا لبس فيه، ففي الوقت الذي كانت فيه شبكات التواصل تبث مقاطع مركبات قتالية مدمرة تابعة للدعم السريع داخل سودري كان المهندس آدم فرح يتحدث عن حفير ممتلئ بالماء في الملوي وكان أهل ام باي روا يشكرون منظمة سودان فاونديشن على إنجاز كبير، وهذا هو الفرق بين مشروعين، مشروع يدمر الحفير ليهجر الناس ومشروع يبني الحفير ليبقى الناس، ومشروع يهرب 55 طن ذهب ومشروع يصدر 14 طن عبر البنك المركزي، ومشروع يرفع الدولار الجمركي إلى 4346 جنيه ومشروع يثبت سلة جمركية ذكية عبر نظام أسكودا، ولهذا فإن تحرير سودري هو تحرير للاقتصاد قبل الجغرافيا وهو تحرير للماء قبل الأرض، فإذا أرادت الدولة أن تحافظ على هذا النصر فعليها أن تعلن فورا محلية سودري منطقة حرة سيادية إعفاء كامل للآلات ومصنع زيوت وصمغ وأعلاف مقابل تصدير 70%، وأن تجعل حفير الملوي وحفير ام باي روا نواة لجامعة الصمغ العربي في الأبيض ومعهد المياه في سودري، وأن تربط الذهب بالماء فكل جرام ذهب يمر عبر بورتسودان يخصص 10% منه لحفر حفير جديد، وبهذا يتحول نصر من الله وفتح قريب من
شعار عسكري إلى ميثاق إقتصادي سيادي يجعل من طريق كردفان دارفور طريق 1.5 مليار دولار بدلا من طريق حرب، ويجعل من الجرام الواحد هو البنك المركزي ووزارة المالية وقرار الحرب والسلام كما كتبنا، فالسودان لا يحتاج إلى مؤتمر مانحين بل
يحتاج إلى حفير ممتلئ في الملوي ومدينة محررة في سودري ومهندس شجاع اسمه آدم فرح يقول الاتصالات مقطوعة لكن الماء موجود، والماء موجود يعني أن السودان موجود، والحمد والشكر لله رب العالمين…
والله من وراء القصد وهو يهدي إلى سواء السبيل.



