د. عبد الرؤوف قرناص يكتب… غيروا الخطط والبرامج ومؤشرات الأداء.. وليس الشخصيات!!

يدور حديث ولغط هذه الأيام حول تغيير أفراد الحكومة، كل الحكومة أو بعضها، بل وصل الأمر إلى الحديث عن تغيير رئيس الوزراء نفسه.
والذين يروجون لهذا الحديث يعلمون أن السودان لا يعيش في جزيرة معزولة عن العالم، وأن الحرب اللعينة التي تدور في البلاد ليست شأناً داخلياً خالصاً، بل تتداخل فيها أيادٍ ومصالح خارجية، يراها كل طرف من زاوية مصلحته وموقعه.
والبعض يعترف بالحكومة الحالية ويتعامل معها على هذا الأساس، بينما يتعامل معها آخرون باعتبارها حكومة أمر واقع، وما حديث مسعد بولس ببعيد.
لكن السؤال الأهم: ماذا ورثت هذه الحكومة؟
الحكومة الحالية أكملت عاماً واحداً، ولم ترث دولة مستقرة ومؤسسات تعمل بكامل طاقتها، وإنما ورثت الخراب والدمار وتعطل الإنتاج وتداعيات الحرب والإفلاس الاقتصادي وتراجع الخدمات.
فبأي معيار نحاسبها اليوم؟
نحن لا ندافع عن شخص بعينه، ولا نقول إن الوزراء فوق النقد أو إن أداءهم لا يحتاج إلى مراجعة. على العكس تماماً، المراجعة مطلوبة، والمساءلة مطلوبة، والقياس مطلوب.
لكن المساءلة الحقيقية لا تكون بتغيير الأشخاص كل بضعة أشهر، وإنما بتغيير الخطط والبرامج عندما تثبت عدم صلاحيتها، ومراجعة مؤشرات الأداء عندما لا تحقق أهدافها.
فالوزير الذي يعلم أنه قد يغادر منصبه قبل أن ينفذ خطته لن يعمل بعقلية المشروع طويل المدى، وإنما بعقلية إنجاز سريع يحفظ له موقعه.
والبلاد الآن ليست في حاجة إلى هذه العقلية.
السودان في حاجة إلى حكومة تعمل بخطط واضحة، وبرامج محددة، وجداول زمنية، ومؤشرات أداء قابلة للقياس، مع مراجعة دورية تعلن بوضوح: ماذا تحقق؟ ماذا لم يتحقق؟ ولماذا؟ وما البدائل؟
الكل يعلم أن البناء أصعب بكثير من الهدم، وأن ما خربته الحرب في عام لن تتم إعادة بنائه في عام واحد، وقد يحتاج إلى سنوات طويلة من العمل المتواصل والاستقرار.
لذلك فإن المطلوب الآن ليس إشغال الدولة بمعركة تغيير الشخصيات، وإنما معركة تحسين الأداء.
ادعموا الحكومة القائمة كلٌّ بما يستطيع، وأعطوا الوزراء مساحة زمنية معقولة لتنفيذ برامجهم، حتى يطمئن الوزير إلى أن موقعه ليس عرضة للتغيير مع كل موجة انتقاد أو شائعة سياسية.
وفي الوقت نفسه، لا ينبغي أن يكون الاستقرار غطاءً للتقصير.
راجعوا الخطط والبرامج، لا الأشخاص فقط.
راجعوا مؤشرات الأداء والإنتاج والقياس.
حاسبوا على النتائج.
ضعوا البدائل عند التعثر.
وغيّروا من لا يحقق المطلوب إذا ثبت ذلك بالأرقام والنتائج، لا بالشائعات والانطباعات.
فالاستقرار الحكومي لا يعني الجمود، والمساءلة لا تعني التغيير المستمر.
إن استقرار الطاقم الحكومي، مع وضوح الاختصاصات وانسجام الفريق وتحديد المسؤوليات، يمكن أن يمنح الوزراء فرصة للعمل بهدوء، ويمنح الدولة فرصة للانتقال من إدارة آثار الحرب إلى مرحلة التعافي وإعادة البناء.
نحن أمام وطن يحتاج إلى أن تُبنى فيه الدولة من جديد، وليس أمام شركة تبحث عن مدير جديد كل عام.
غيروا ما يحتاج إلى تغيير: الخطط، البرامج، الأدوات، ومؤشرات الأداء.
أما الشخصيات، فلتكن نتيجة طبيعية للتقييم والإنجاز، لا عنواناً دائماً للجدل السياسي.
كان الله في عون السودان….



