د. عبد الرؤوف قرناص يكتب…السم في الدسم… ومسودة قرار حظر الطيران!!

قد تنكر العين ضوء الشمس من رمدٍ…
وينكر الفم طعم الماء من سقمٍ…
لكن يبدو أن بعض العيون الدولية أصابها الرمد، وبعض الأفواه السياسية أصابها السقم، حتى أصبحت ترى المعتدي ضحية، والمعتدى عليه متهمًا، ومن يدافع عن وطنه هو المطلوب منه أن يتوقف عن القتال!
منذ أن تغير ميزان القوة في حرب السودان لصالح الجيش السوداني، لم يهنأ أعداء الخارج لحظة واحدة.
كلما تقدمت القوات المسلحة، خرج علينا مشروع هدنة، ومبادرة، ووساطة، وضغط، ثم ها هي مسودة حظر الطيران تظهر من جديد.
يا لها من مصادفة!
عندما كانت المليشيا تتمدد وتقتل وتحرق وتنهب وتحتل منازل المواطنين، لم يكن حظر الطيران على رأس أولويات أصحاب “القلق الإنساني”.
أما عندما بدأ الجيش السوداني يستعيد الأرض، وتتهاوى مواقع المليشيا، أصبح الطيران فجأة مشكلة!
هذه ليست إنسانية… هذه سياسة.
وليس المطلوب هنا أن نكون خبراء في قراءة النوايا؛ فالميدان نفسه يشرح كل شيء.
المليشيا التي عجزت عن تحقيق أهدافها بقوة السلاح، تريد اليوم أن تحققها عبر قرارات وضغوط سياسية تأتيها من الخارج.
ولكن هيهات!
لأن أصحاب هذه المشاريع نسوا أهم طرف في المعادلة:
الشعب السوداني.
نسوا أن ذاكرة هذا الشعب ليست قصيرة.
ذاكرة السودانيين لا تحفظ للدعم السريع إلا صور القتل والحرق والنهب والاغتصاب والتهجير، وانتهاك البيوت، وترويع الآمنين، وتدمير مؤسسات الدولة.
ثم يأتيك من يحدثنا عن هدنة إنسانية!
هدنة لمن؟
ومن أجل ماذا؟
ولماذا يُطلب من الجيش السوداني أن يوقف سلاحه الجوي في الوقت الذي ما زالت فيه المليشيا تحمل سلاحها وتحتل مواقعها وتقاتل الدولة؟
هل المطلوب هدنة لإنقاذ المدنيين…
أم هدنة لإنقاذ مليشيا بدأت تشعر بأن الهزيمة أصبحت أقرب من أي وقت مضى؟
والأكثر إثارة للدهشة أن مبعوث الرئيس ترمب تحدث صراحة عن ارتكاب الدعم السريع جرائم إبادة جماعية واغتصاب.
فإذا كانت هذه هي حقيقة المليشيا كما يصفها أصحاب القرار أنفسهم، فكيف تصبح مكافأتها هدنة تمنحها فرصة لالتقاط الأنفاس وإعادة تنظيم صفوفها؟
هل يعقل أن تكافأ المليشيا على جرائمها بوقف تقدم الجيش الذي يقاتلها؟
أي منطق هذا؟
وأي إنسانية؟
وأي عدالة؟
أما الجيش السوداني، فكلما استعاد مدينة عادت إليها الدولة، وكلما انكسر حصار عادت الحركة، وكلما دخلت القوات المسلحة عاد المواطنون إلى ديارهم.
وهنا لا تحتاج الحقيقة إلى مؤتمر دولي ولا إلى بيان دبلوماسي.
الواقع يتحدث.
ولهذا نقولها بوضوح لا يحتمل التأويل:
لا لحظر الطيران على الجيش السوداني.
فالجيش السوداني لا يقاتل خارج حدوده، ولا يعتدي على دولة أخرى.
إنه يخوض حربًا داخل أرضه دفاعًا عن شعبه وسيادة دولته.
ومن يريد حماية المدنيين فليضغط على من يقتل المدنيين، لا على من يقاتل من أجل تحريرهم.
ومن يريد السلام فليجمع المليشيات في معسكرات، ويجمع سلاحها، ويوقف عنها الإمداد والمرتزقة، ثم يترك السودانيين ليقرروا مستقبل بلادهم بأنفسهم.
هذه هي العدالة.
أما أن تُشل يد الجيش السوداني، وتُمنح المليشيا فرصة لإعادة ترتيب أوراقها، ثم نسمي ذلك “حماية للمدنيين”، فهذه ليست حماية للمدنيين…
هذه حماية للمليشيا تحت غطاء الإنسانية.
والسم، مهما غُلّف بالدسم، يظل سمًا.
لكنهم نسوا شيئًا آخر…
أن السودان ليس طاولة مفاوضات في عاصمة أجنبية، وليس ورقة في ملف مبعوث، وليس مشروعًا يُعاد تشكيله وفق رغبات القوى الخارجية.
السودان للسودانيين.
والسودانيون هم من يقررون من يحكمهم، وكيف يحكمون، ومن يحمل السلاح، ومن يتركه.
والحمد لله…
ليس بأعيننا رمد حتى لا نرى انتصارات جيشنا.
وليس بأفواهنا سقم حتى لا نتذوق حلاوة النصر.
نحن نرى من يتقدم…
ونعرف من يتراجع…
ونعرف كذلك من يريد للسودان أن ينتصر، ومن يريد للمليشيا أن تبقى على قيد الحياة السياسية بعد أن عجزت عن البقاء في الميدان.
فلا تبيعوا لنا السم في الدسم.
فقد عرف الشعب السوداني طعمه.
جيشنا… جيش الهنا.



