د. إسماعيل الحكيم يكتب… العلمين جدار الصد الاستراتيجي لشرعية الدولة السودانية

تتكسر القراءات السطحية للمشهد الإقليمي عند أعتاب قمة العلمين التشاورية، إذ لم تكن مجرد التقاء بروتوكولي لقادة أربع دول، لكنها جاءت لتعلن عن صياغة صريحة لمعادلة قوة جديدة في لحظة تاريخية فارقة تتداخل فيها أزمات القرن الأفريقي مع معركة الوجود التي يخوضها السودان. إن تلك النواة الصلبة التي تشكلت بتلاقي إرادات الخرطوم والقاهرة وأسمرة ومقديشو قد رسمت خطاً أحمر وضح المعالم أمام مشاريع التفكيك.
لتضع حداً محكماً لمحاولات هندسة الإقليم عبر الفوضى العابرة للحدود. وينسجم هذا التحرك الاستراتيجي في جوهره حول محور رئيس واحد وناظم؛ يكمن في تثبيت المفهوم الصارم لسيادة الدولة الوطنية، وتحصين مؤسساتها الشرعية من أشكال التدخل الوظيفي كافة، حيث لا يمكن فصل استقرار البحر الأحمر والقرن الأفريقي عن مسار حرب الكرامة التي تخوضها القوات المسلحة السودانية لحفظ كيان الدولة وجودتها الترابية.
وتتبدى القوة المفهومية لهذا التحالف الرباعي في قدرته على دمج المهددات الجيوسياسية الممتدة من باب المندب وخليج عدن وصولاً إلى العمق السوداني والمصري ضمن إطار تحليلي موحد لا يقبل التجزئة. فمن الناحية السياسية، يمثل التشديد على احترام السيادة ورفض التدخلات الخارجية ضربة موجعة لمشاريع سلب الدولة السودانية أهليتها أو مساواتها بالميليشيات المتمردة، مكرساً الاعتراف بالمؤسسات الوطنية كفاعل ومحاور رئيس لا بديل عنه. ويتحرك هذا الموقف بالتوازي مع البعد الأمني المستند إلى أن سلامة الملاحة في البحر الأحمر وهي شأن أصيل وحصري للدول المطلة عليه، مما يقطع الطريق أمام القوى التي تسعى لترسيخ نفوذ خارجي عبر افتعال الأزمات البحرية أو استغلال السواحل المفتوحة.
ولأن السيادة لا تكتمل إلا بظهير قانوني واقتصادي يحميها، فقد التحمت مخرجات القمة برؤية متكاملة تجعل من الالتزام بأحكام القانون الدولي المنظم للأنهار العابرة للحدود وقواعد حسن الجوار مرجعية حاكمة لمنع السياسات الأحادية والتعدي على الحقوق المائية والأرضية. ويتقاطع ذلك مع التوجه نحو بناء الشراكات التنموية في مجالات البنية التحتية والطاقة والتجارة، لتحويل المنطقة من ساحة لإدارة الصراعات إلى بيئة جاذبة للمصالح المتبادلة التي تعزز مناعة الشعوب ضد الاختراقات الخارجية.
تنعكس هذه المعادلة الصلبة بشكل مباشر وحاسم على مجريات المشهد السوداني؛ إذ تعمل على تضييق الخناق السياسي والأمني على الظهير الإقليمي للميليشيا المتمردة، وترفع التكلفة على الأطراف التي تغذي الصراع عبر الحدود.
كما أن وجود هذا الاصطفاف مع دول جوار مباشر ومؤثرة يمنح الخرطوم حماية لعمقها الاستراتيجي، ويؤمن واجهتها البحرية ضد أي محاولات لفرض واقع قسري أو استخدام المنافذ كأوراق ضغط. إن قمة العلمين لم تكن بياناً سياسياً.
بقدر ما كانت بياناً بالعمل يؤكد أن استقرار شرق أفريقيا وحوض البحر الأحمر يبدأ من سودان موحد ومستقر ذي سيادة كاملة، وأن مرحلة العبث بمصائر الدول ومؤسساتها قد واجهت أخيراً جداراً إقليمياً عتيداً لا يمكن اختراقه.



