مقالات الظهيرة

د. إسماعيل الحكيم يكتب… العاصمة الخرطوم تخلع ثوب البارود لتسترد عرش الجمال!!

إن المدن العريقة لم تكن يوماً حجارة ودروب، بقدر ما أنها كانت كائنات حية تتنفس الجمال وتقتني الأناقة؛ والخرطوم، التي طالما كانت عروساً بين المدائن، نال منها وجع الحرب وجرحت كبرياءها مظاهر السلاح وآثار الشقاء.

من هنا، يجيء قرار لجنة أمن ولاية الخرطوم القاضي بإجلاء العاصمة من التشكيلات العسكرية، ليضع حدّاً لمرحلة قاسية عاشتها المدينة، وبدايةً لعهد يستعيد فيه الشارع السوداني سكينته البصرية والنفسية.

ورغم أن القرار جاء متأخراً بعد أن أثقلت صور السلاح كاهل الوجدان الجمعي، إلا أنه يظل خطوةً استراتيجية مفصلية؛ فبقاء المظاهر المسلحة والأزياء العسكرية في قلب الأحياء وعلى قارعة الطرق تخطى حاله أن يكون تنظيماً أمنياً، إلى استدعاء مستمر لكابوس الانتهاكات التي ارتكبتها المليشيا، ووسم يجدد في نفوس المواطنين جراح الذكرى وأهوال الفقد. إن تنقية الفضاء العام من السلاح هو أول تعافٍ حقيقي تتنفسه المدينة، وإعلانٌ صريح عن طي صفحة الفوضى والبدء في ترسيخ سيادة دولة القانون ومؤسساتها الرصينة.

فلا تُقاس العواصم المتحضرة عبر التاريخ بعدد ثكناتها ، وإنما بما تبرزه من موروث حضاري وتستعرضه من جمال معماري وثقافي؛ فالخرطوم اليوم وهي تطوي أوراق الحرب، أشد ما تكون حاجةً لأن تبدو كالعروس التي تتزين لخطابها من جديد. الخرطوم لا تحتمل بعد اليوم مشاهد الخراب أو طيف البدلات العسكرية، ولكنها تتوق إلى المشاهد التي تدخل السرور، وتبعث على الفرح، وتغرس الطاقة الإيجابية في أفئدة العائدين الذين يحملون في أرواحهم شوق السنوات وثقل الشتات.

إن إجلاء مظاهر العسكرة من قلب العاصمة هو الحجر الأساس في معركة إعادة الإعمار والنهضة. فالإعمار الحقيقي لا يبدأ فقط بردم الحفر وتبديد آثار الدماء، بل يبدأ بترميم الوجدان وتطهير المشهد العام؛ فالبيئة المستقرة والخالية من شوائب الخوف هي الوحيدة القادرة على جذب الاستثمار، وتحفيز العقول، وإعادة الحياة إلى شرايين التجارة والثقافة والفنون.

لتكن الخرطوم كما كانت دوماً: ملتقى النيلين، وواحة السلام، ورمز الأصالة. وليكن هذا القرار بداية لورشة عمل كبرى، لا تُبنى فيها الجسور والمباني وحدها، بل تُصاغ فيها صورة ذهنية جديدة لعاصمة تستحق أن تتباهى بجمالها وتشرق بالنور والأمل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى