مقالات الظهيرة

(درب التبانة)… د. الحسين تاج الدين أحمد يكتب… الذباب الأخضر

في فضاء الإعلام الرقمي الذي يزداد اتساعًا كلَّ يوم، تعددت وسائل الإعلام وكثرت، ولعل وسائل التواصل ـ بالإضافة إلى الدور الاجتماعي الذي تلعبه ـ أصبحت جزءًا من الإعلام الرقمي.

بل أخطرها؛ لأنها مرتبطة بالمجتمع، فضلًا عن خلوها من الضبط والمرجعية. لا سيما وأنها ارتبطت ارتباطًا وثيقًا بالذباب الإلكتروني كإحدى أخطر الظواهر التي تهدد الوعي الجمعي وتشوّه الحقائق، وهي حسابات وهمية عابرة للقارات.

جيوش منظَّمة تُدار بعناية لتوجيه النقاشات وتضخيم قضايا معيَّنة، كل ذلك من أجل إسكات الأصوات الحرّة عبر حملات متكررة باهتة أُريد منها إرباك المتلقي، وذلك بخلط الصدق بالزيف حتى يصبح من الصعوبة التفريق بينهما.

هذا السلاح يُستخدم لأغراض كثيرة: سياسية، تجارية، واجتماعية، ولعل السياسية منها أصبحت طاغية؛ لأن الأغراض السياسية يُدفَع لها بالدولار (الأخضر الأمريكي) وبالأصفار الماكوكِيّة، وكل هدفها هو إرهاق الأفراد نفسيًّا، وتشتيتهم، وسلب التفكير النقدي لديهم، وفقدان الثقة في كل شيء.

ولعل ما أقدم عليه مدير منصة “إكس” (إيلون ماسك) قلب موازين اللعبة، حين أفصح من خلال منصته عن خاصية إظهار مكان المستخدم، والتي من شأنها تعطيل الذباب وحبسه داخل “الحظيرة الأمريكية”! ففي ليلة واحدة فقط كُشفت ملايين الحسابات، وعرف الناس أصل هذا الذباب، وخاض هذه المرة الذباب معركته مع أبيه (مالك “إكس” صانع مجده ودوره).

والأيام حبلى بالمفاجآت: هل سيواصل الذباب جلب المال الأخضر (الدولار الأمريكي)، أم سيظل داخل الحظيرة الأمريكية إلى الأبد؟ وهل سنشهد صراع البقاء بين الأب وأبنائه، أم يرضى الأب بالأخضر ويفتح الباب على مصراعيه، كما رضي الذباب بذلك من قبل؟

إن التعامل مع هذا الذباب يتطلب وعيًا جماعيًا يقوم على التبليغ والحظر، وعدم الانجرار إلى الجدال العقيم، والتحقق الدائم من المصادر قبل مشاركة أي معلومة. فالمعركة ليست فقط على منصات التواصل، بل على وعي الإنسان نفسه، على قدرته أن يميز بين الحقيقة والزيف، وأن يحافظ على استقلالية تفكيره في مواجهة هذا الضجيج المصطنع.

وفي النهاية، الذباب الإلكتروني مجرد أصوات رقمية مدفوعة، تعكس صراعًا خُلق من أجل غرض محدد، صراع يتجاوز الشاشات ليصل إلى جوهر المجتمعات فيُخلخلها ويُحدث فيها الشرخ. ومواجهته ليست مهمة فردية، بل مسؤولية جماعية تتطلب وعيًا، تعاونًا، وإصرارًا على حماية الحقيقة؛ حقيقة تضيء وسط هذا الضجيج، تتلألأ رغم الظلام، لتبقى دائمًا درب تبانة يحتضن النور مهما حاولت العتمة أن تخفيه.

مع تحياتي
د. الحسين تاج الدين احمد
الدوحة – قطر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى