(من أعلى المنصة) ياسر الفادني يكتب… الجزيرة رمت الطُعم… فابتلعناه بالكامل !

( أسفاي)…. علي هذا الزمن الذي تُقصف فيه المدن، وتُحاصر فيه الأحلام، وتُكتب فيه دماء السودانيين على جدران الوطن، واختار بعض أهل الإعلام أن يفتحوا معركةً من غير معترك، وضجيجاً من غير قضية، وصراعاً لا ينتج سوى المزيد من التشظي والانقسام
ما يدور هذه الأيام بين وزير الإعلام وبعض الصحفيين لا يشبه معركة الكرامة التي يخوضها السودانيون في الخنادق، بل يشبه حفلة ملاكمة في بيتٍ يحترق، الجميع يلوّح بقبضته، بينما السقف ينهار فوق الرؤوس
قناة الجزيرة ــ كعادتها ــ تعرف كيف تضع المسؤول في (الحتة الضيقة) ! ، وتعرف كيف تستدرج الكلمات من أفواه الغاضبين، ثم تتركهم يتقاتلون أمام الكاميرات، بينما تُدار المعركة الحقيقية في مكانٍ آخر. لكن الكارثة ليست في السؤال، بل في طريقة تلقفنا للطُعم، وتحويلنا الأمر إلى معركة كسر عظم إعلامية، لا رابح فيها إلا أعداء الوطن
لا يعنيني كثيراً ماذا قال الوزير، ولا كيف رد الآخرون، لأن الوطن الآن أكبر من كل هذا الصخب، وأكبر من تصفية الحسابات، وأكبر من معارك (الردح) و(التقريظ) التي ملأت الأسافير دخاناً بلا نار نافعة
المؤلم حقاً أن بعض جهابذة الإعلام السوداني انجروا إلى مستنقع معركة جانبية، بينما البلاد تواجه أخطر مؤامرة في تاريخها الحديث، انشغلوا بتبادل السهام، وتركوا السهام الحقيقية المغروسة في خاصرة السودان
أعداء الوطن الآن يرقصون على هذا المشهد، يدقون (الدلوكة) بمسواك لين ! ، ويتلذذون إلكترونياً بكل منشور وكل إساءة وكل انقسام، وجدوا مادة دسمة يغطون بها على فشلهم، وعلى التشققات التي ظهرت في نيروبي، وعلى حالة عدم التوافق التي ضربت معسكرهم، فحوّلوا الأنظار سريعاً نحو فتنة إعلامية داخلية، أبطالها للأسف أبناء وطن واحد
ما يحدث الآن لا يشبه الإعلام المسؤول، بل يشبه رجلاً يمسك أصبعه ليقتلع عينه بيده، خصومة صغيرة تتحول إلى معركة عبثية، وكلمات غاضبة تتحول إلى وقود مجاني للمتربصين بالسودان
أيها السادة…
المشوار لا يزال طويلاً، والمعركة لم تنتهِ، والعدو الداخلي والخارجي ما زال يتربص بهذا البلد، فلا تمنحوه وجبةً إعلامية جاهزة يلتهمونها بشراهة،
القضية اليوم ليست من انتصر في (بوست) ! ، ولا من كسب جولة (لايف)، ولا من حشد التعليقات والشتائم، القضية هي: كيف نحافظ على ما تبقى من تماسك هذا الوطن؟
إني من منصتي أنظر … حيث أرى… أن ما يحدث الآن عبارة عن (كورة مِصَرِّجَة)!! ، الكرة تتقاذفها الأقدام بلا هدف، بلا خطة، بلا وعي بخطورة الوقت، الوطن لا يحتاج إلى مزيد من الصراخ، بل يحتاج إلى رجلٍ يلتقط هذه الكرة المرتبكة، ويلعب بعقلٍ بارد، ونفسٍ نظيف، ليحرز هدفاً في مرمى الأعداء لا في مرمى الوطن.
أليس فيكم رشيد؟.



