(دبابيس حارة) عثمان يونس يكتب… من حرب روسيا وأوكرانيا إلى الشرق الأوسط. العالم على حافة أزمة طاقة غير مسبوقة!!
لم يعد المشهد العالمي كما كان قبل سنوات قليلة. فمنذ اندلاع الحرب بين روسيا واوكرانيا ، دخل العالم في دوامة متسارعة من الأزمات المتشابكة ، حيث تداخلت السياسة بالحرب، والاقتصاد بالطاقة ، لتتشكل معادلة معقدة يدفع ثمنها الجميع دون استثناء .
الحرب الروسية الأوكرانية لم تكن مجرد نزاع إقليمي ، بل مثلت الشرارة الأولى لأزمة طاقة عالمية . أوروبا ، التي اعتمدت لعقود على الغاز الروسي ، وجدت نفسها في مواجهة شتاء قاس بلا ضمانات ، ما دفعها إلى البحث عن بدائل مكلفة وسريعة . ومع ارتفاع أسعار الغاز والنفط ، بدأت موجة تضخم غير مسبوقة تضرب الاقتصادات الكبرى قبل النامية .
ومع اتساع رقعة التوتر في الشرق الأوسط، خاصة في ظل التصعيد بين اسرائيل امريكا من جهة وايران من جهة أخرى ، دخل العالم مرحلة أكثر تعقيدا . فالمنطقة التي تعد شريان الطاقة العالمي باتت مهددة بأي تصعيد قد يعطل الإمدادات أو يرفع الأسعار إلى مستويات قياسية جديدة.
هذه التطورات خلقت واقعا اقتصاديا خانقا. فلم تعد أسعار الوقود هى أرقام في الأسواق ، بل أصبحت عاملا حاسما في تحديد مصير الدول . تكاليف النقل ارتفعت ، والإنتاج الصناعي تباطا وسلاسل الإمداد تعرضت لضغوط شديدة ، مما انعكس مباشرة على أسعار الغذاء والخدمات .
في دول جنوب شرق آسيا ، ظهرت الأزمة بوجه أكثر قسوة ، حيث اضطرت بعض الحكومات إلى تقليص استهلاك الطاقة إلى الحد الأدنى، ما أدى إلى تعطيل جزئي أو كلي للمؤسسات التعليمية والخدمية ، والاعتماد على العمل والإدارة عن بُعد كخيار اضطراري . لم يكن ذلك تطورا تقنيا بقدر ما كان استجابة مباشرة لأزمة حقيقية في توفر الطاقة.
أما في أوروبا وامريكا الشمالية والجنوبية ، فالصورة لا تقل خطورة، وإن بدت أكثر تماسكا في ظاهرها .
الحكومات هناك تواجه ضغوطا هائلة لتأمين الطاقة لمواطنيها، مع الحفاظ على استقرار الأسواق . لكن الحقيقة هي اذا استمرت هذه الأزمات قد يدفع تلك الدول نحو اختلال كبير في منظومة الطاقة ، وربما ما هو أسوأ من ذلك إذا لم تتخذ إجراءات جذرية وسريعة .
ورغم التوجه المتزايد نحو الطاقة البديلة، إلا أن هذه الحلول لا تزال غير قادرة على سد الفجوة الحالية . فالعالم يعيش أزمة فورية ، بينما تحتاج التحولات الاستراتيجية إلى سنوات طويلة حتى تؤتي ثمارها .
ما نشهده اليوم ليس أزمة طاقة عابرة ، بل تحول عميق في شكل النظام العالمي . صراعات تتسع، وأسواق تتقلب ، ودول تعيد حساباتها تحت ضغط غير مسبوق . وبين كل ذلك ، يبقى السؤال الأهم هل يستطيع العالم تفادي الانهيار ، أم أننا أمام مرحلة جديدة تعاد فيها صياغة موازين القوة والاقتصاد؟
في هذا السياق ، يقف السودان واحدا من أكثر الدول تأثرا بهذه العاصفة العالمية . فمع محدودية البنية التحتية للطاقة ، والاعتماد على الاستيراد في كثير من المشتقات النفطية ، أصبحت البلاد عرضة مباشرة لاضطرابات السوق العالمي ، ومع تصاعد التكاليف ، تزداد معاناة المواطن ، وتتسع فجوة الخدمات ، خاصة في الكهرباء والنقل والإنتاج .
وتتضاعف حدة الأزمة في ظل ما تعيشه البلاد من ظروف داخلية معقدة ، مع تداعيات الحرب التى القت بظلالها الثقيلة على الاقتصاد الوطني . فالحرب لا تستنزف الموارد فحسب ، بل تعطل الإنتاج وتضعف قدرة الدولة على مواجهة الأزمات ، مما يجعل أي صدمة خارجية كأزمة الطاقة أكثر تأثيرا وأشد وطأة .
ومع استمرار هذه المعطيات ، هناك مخاوف حقيقية من دخول البلاد في أزمات طاحنة خلال الفترة المقبلة ، إذا لم تتخذ معالجات عاجلة تعيد التوازن لقطاع الطاقة وتخفف من آثار الأزمة العالمية.
من خلال تزايد التوتر فى المنطقة ، تبدو أزمة الطاقة اختبارا قاسيا للدول الهشة قبل القوية . وبينما تسعى القوى الكبرى لاحتواء الصدمة ، تظل الدول النامية ، وعلى رأسها السودان ، في مواجهة مفتوحة مع واقع اقتصادي معقد ، قد يعيد تشكيل ملامح الحياة فيها لسنوات طويلة قادمة.



