بركة ساكن والحوار السوداني.. بين الانفتاح الثقافي وأسئلة الحقيقة

مسارب الضي | يكتبه | د. محمد تبيدي:
في ظل التحولات السياسية والاجتماعية التي يشهدها السودان، وما يحيط بمبادرات الحوار السوداني السوداني من نقاشات واسعة، تبرز قضية مشاركة المثقفين والكتاب والأدباء في صناعة المستقبل الوطني باعتبارها واحدة من القضايا التي تستحق الوقوف عندها، ليس فقط من زاوية المشاركة الثقافية، وإنما من منظور الدور الذي يمكن أن يؤديه المثقف في إعادة بناء الدولة وترميم النسيج الاجتماعي الذي تمزق بفعل الحرب.
وفي هذا السياق، يبرز اسم الروائي السوداني بركة ساكن، وما يُثار حول الحوار السوداني وفتح الباب أمام المثقفين للانضمام إليه، باعتبارها قضية تتجاوز حدود الأسماء والمواقف الشخصية، لتضعنا أمام سؤال جوهري: هل يستطيع السودان أن يؤسس حواراً وطنياً حقيقياً يستوعب مختلف التيارات الفكرية والثقافية، دون أن يتحول ذلك إلى مجرد واجهة سياسية أو محاولة لإعادة إنتاج الأزمة بأدوات جديدة؟
إن الحوار السوداني السوداني، إذا أُريد له أن يكون مشروعاً وطنياً حقيقياً، فلا ينبغي أن يُختزل في مشاركة السياسيين وحدهم، أو أن يظل أسير القوالب التقليدية التي أثبتت محدودية قدرتها على معالجة جذور الأزمة.
فالمثقف السوداني، مهما اختلفت توجهاته السياسية والفكرية، يظل جزءاً من المشهد الوطني، وله حق المشاركة في طرح الرؤى والمقترحات، شريطة أن تكون هذه المشاركة قائمة على احترام سيادة الدولة، وحق الشعب السوداني في تقرير مصيره، وعدم التواطؤ مع أي مشروع يستهدف تفكيك الوطن أو النيل من مؤسساته.
بركة ساكن.. هل يكون المثقف جزءاً من الحل؟
إن فتح الباب أمام المثقفين للانضمام إلى الحوار السوداني السوداني يمثل من حيث المبدأ خطوة يمكن أن تسهم في إثراء النقاش الوطني، متى ما قامت على معايير واضحة، وأهداف معلنة، وضمانات حقيقية لعدم استغلال الثقافة والأدب في تمرير أجندات سياسية لا تخدم مصالح الشعب السوداني.
فالأدب ليس مجرد كلمات تُكتب على الورق، والثقافة ليست نشاطاً معزولاً عن قضايا الوطن.
إن الكاتب والمثقف يستطيع أن يسهم في قراءة المجتمع، وتشخيص أزماته، وتقديم رؤى تساعد في بناء مستقبل أكثر استقراراً، لكنه في المقابل مطالب بأن يدرك أن المرحلة التي يمر بها السودان ليست مرحلة عادية، وأن الحرب وما خلفته من مآسٍ إنسانية ودمار اقتصادي واجتماعي تفرض على الجميع مسؤولية أخلاقية ووطنية كبيرة.
ومن هنا، فإن مشاركة بركة ساكن أو غيره من المثقفين في أي حوار وطني ينبغي أن تُقرأ من خلال طبيعة المشروع الذي يشارك فيه، وموقفه من قضايا السيادة الوطنية، وحقوق المواطنين، ووقف الحرب، واستعادة الأمن والاستقرار.
فالأسماء وحدها لا تصنع حواراً ناجحاً، وإنما تصنعه المواقف الواضحة، والبرامج العملية، والقدرة على تقديم حلول واقعية لأزمات السودان.
روايتي الخاصة :
إن السودان اليوم في حاجة إلى حوار وطني جاد، يستوعب مختلف القوى السياسية والاجتماعية والثقافية، ويضع مصلحة الوطن فوق المصالح الحزبية والشخصية.
وفي الوقت ذاته، فإن الحوار لا يمكن أن يكون غطاءً لتجاوز الحقائق، أو منصة لتبرير المواقف التي تتعارض مع مصالح الشعب السوداني.
ومن هنا، فإن مشاركة بركة ساكن وغيره من المثقفين ينبغي أن تخضع لمعيار الموقف الوطني، لا لمعيار الاسم أو الشهرة أو الانتماء الفكري.
في الختام التحية للأستاذ بركة ساكن. وإن الحوار السوداني السوداني لا ينبغي أن يُغلق أمام المثقفين، ولا أن يتحول إلى ساحة للترهيب أو التخوين، بل يجب أن يكون مساحة وطنية مسؤولة، تُطرح فيها الآراء وتُناقش فيها الحقائق، ويُحاسب فيها الجميع على مواقفهم وفق معيار واحد.
فالسودان أكبر من الأسماء، وأكبر من الخلافات السياسية، وأكبر من أي مبادرة أو خطاب.
والحقيقة لا تُخشى، والحوار لا يُمنع، والوطن لا يُبنى بالإقصاء.
إن ما يجري حول الحوار السوداني السوداني، ومشاركة المثقفين فيه، يستحق نقاشاً موضوعياً بعيداً عن التسرع في الأحكام.
فالسؤال ليس فقط: هل يشارك بركة ساكن في الحوار؟
بل السؤال الأكبر: هل نحن أمام حوار حقيقي يعيد بناء السودان، أم أمام مسار جديد يعيد إنتاج الأزمة بأسماء ووجوه مختلفة؟
هذا ما ينبغي أن تجيب عنه الوقائع، لا التصريحات وحدها.
فالوطن الذي أنهكته الحرب يحتاج إلى خطاب مسؤول، وحوار صادق، ومواقف واضحة، ومثقفين يدركون أن الكلمة أمانة، وأن مستقبل السودان لا يحتمل المزيد من الغموض
وأنا سأكتب للوطن حتى أنفاسي الأخيرة



