المسيرات الإثيوبية التي تقتل وتحطم البنية التحتية وبأي ذنبٍ طُردت البعثة الدبلوماسية السودانية؟ من يدفع فاتورة تدمير السودان؟ التعويضات حق لا يسقط بالصمت!!

رؤية وطنية… نكتب للوطن ونفكر للمستقبل
بقلم: أبوعيدة أحمد علي عباس
المسيرات الإثيوبية التي تقتل وتحطم البنية التحتية وبأي ذنبٍ طُردت البعثة الدبلوماسية السودانية؟
الجزء الثالث: من يدفع فاتورة تدمير السودان؟ التعويضات حق لا يسقط بالصمت
في الجزأين السابقين تحدثنا عن سيادة السودان وما أثير من اتهامات خطيرة بشأن استهداف منشآته الحيوية بمسيّرات قالت السلطات السودانية إنها انطلقت من الأراضي الإثيوبية، وتوقفنا عند ذاكرة المعروف بين الشعبين، ومسؤولية الجوار، والتصعيد الدبلوماسي الذي شمل إجراءات بحق عدد من موظفي القنصلية السودانية.
أما اليوم، فإننا نضع القضية في ميزان الحقوق والمسؤوليات، ونطرح سؤالاً لا ينبغي أن يغيب عن المؤسسات الدولية ولا عن الحكومة السودانية: من يدفع فاتورة هذا الدمار؟ ومن يعوض الشعب السوداني عن الخسائر التي لحقت بمرافقه ومصادر رزقه ومقومات حياته إذا ثبتت المسؤولية عن هذه الاعتداءات؟
إن تدمير محطة كهرباء ليس حادثاً هندسياً.. إنه اعتداء على حياة مجتمع بأكمله.
حين تتوقف محطة كهرباء، لا تتوقف معها الآلات وحدها، بل تتوقف مصالح آلاف المواطنين. تتأثر المستشفيات ومراكز غسيل الكلى، وتتعطل محطات المياه، وتتراجع قدرة المصانع على الإنتاج، وتتعثر المخابز والمؤسسات التجارية، وتزداد معاناة الأسر التي لم تعد تحتمل مزيداً من الأعباء.
وحين تُضرب مستودعات الوقود، فإن الأثر لا ينتهي عند قيمة الوقود المفقود أو المنشأة المتضررة، بل يمتد إلى حركة النقل والإمداد والزراعة والصناعة والخدمات.
وحين تتعرض المطارات والمنشآت المدنية للتدمير، فإن الضرر يمتد إلى حركة المواطنين والتجارة والإغاثة وإعادة الإعمار.
إننا نتحدث عن اقتصادٍ أنهكته الحرب، وعن شعبٍ تحمل النزوح والفقد وارتفاع الأسعار وانقطاع الخدمات، ثم وجد نفسه أمام أضرار جديدة تزيد من صعوبة الحياة.
فهل حسب العالم تكلفة هذا الدمار؟ وهل وضعت المؤسسات الدولية في حساباتها قيمة الإنتاج الذي توقف، والأدوية التي تعذر حفظها، والمياه التي تعثرت إمداداتها، والعمال الذين فقدوا مصادر رزقهم؟
إننا نطالب الحكومة السودانية بإعداد ملف وطني شامل للتعويضات.
لا نريد ملفاً سياسياً عاطفياً، ولا أرقاماً تُلقى في المؤتمرات الصحفية دون مستندات، وإنما نريد ملفاً علمياً وقانونياً واقتصادياً يليق بحجم القضية.
ملفاً تتضافر فيه جهود وزارة الخارجية ووزارة العدل والجهات المختصة بالطاقة والكهرباء والنفط والنقل والمالية والصناعة والصحة، بمشاركة خبراء القانون الدولي والاقتصاد والهندسة والتقييم المالي.
ويجب أن يتضمن الملف:
أولاً: الحصر الدقيق لجميع محطات الكهرباء والمحولات وخطوط النقل والتوزيع التي تعرضت للضرر، مع توثيق تاريخ وموقع كل واقعة.
ثانياً: تقدير تكلفة الإصلاح وإعادة التأهيل والاستبدال، بما يشمل المعدات وقطع الغيار والنقل والتشغيل.
ثالثاً: حصر الأضرار التي لحقت بالمطارات ومستودعات الوقود والمنشآت الصناعية والمرافق المدنية الأخرى.
رابعاً: تقدير الخسائر الاقتصادية الناجمة عن توقف الإنتاج وتعطل المصانع والخدمات وسلاسل الإمداد.
خامساً: توثيق الأضرار التي لحقت بالمواطنين والمؤسسات الصحية ومحطات المياه والمرافق الخدمية.
سادساً: تقدير تكلفة إعادة الإعمار والتعافي الاقتصادي، مع التمييز بين الخسائر المباشرة والأضرار التبعية التي تثبت صلتها بالوقائع.
إن هذا الملف يجب أن يكون مدعوماً بالصور الفضائية والتقارير الفنية وسجلات الصيانة والفواتير وشهادات الشهود والأدلة الجنائية والفنية، مع إتاحة المجال للخبراء المستقلين للتحقق من الوقائع.
وإلى مجلس الأمن الدولي نقول:
إن مسؤوليتكم تجاه السلم والأمن الدوليين لا تقتصر على الاستماع إلى الشكاوى، وإنما تشمل العمل على منع الاعتداءات والتحقق من الوقائع ومساءلة المسؤولين وفق قواعد القانون الدولي.
إن المادة الثانية من ميثاق الأمم المتحدة تقرر مبدأ احترام سيادة الدول وحظر استخدام القوة ضد سلامة أراضيها واستقلالها السياسي.
وإن المادة 51 تقر بحق الدفاع عن النفس عند وقوع هجوم مسلح وفق شروطها القانونية.
أما مسؤولية الدول عن الأفعال غير المشروعة دولياً، فإن قواعدها تقر مبدأ وقف الفعل غير المشروع وجبر الضرر متى ثبتت المسؤولية، ويشمل جبر الضرر، بحسب الأحوال، إعادة الحال إلى ما كان عليه والتعويض والترضية.
فلماذا لا يُبحث إنشاء آلية مستقلة للتحقيق في الأضرار التي لحقت بالسودان، وتحديد مصادر الاعتداءات والمسؤوليات عنها؟
وإلى الاتحاد الإفريقي ومجلس السلم والأمن الإفريقي نقول:
إن القارة الإفريقية ليست بحاجة إلى مزيد من الحروب والصراعات، وإنما إلى مؤسسات تحمي استقرارها وتمنع انتهاك سيادة دولها.
إن السودان يطالبكم بالاضطلاع بمسؤولياتكم، والتحقيق في الاتهامات المطروحة، والعمل على ضمان عدم استخدام أراضي أي دولة إفريقية منصة لتهديد دولة أخرى.
ولا ينبغي أن يكون الانتماء إلى القارة الإفريقية مجرد رابطة جغرافية، بل التزاماً حقيقياً باحترام المواثيق وحماية الشعوب.
وإلى الأمم المتحدة ومجلس حقوق الإنسان والمنظمات الإنسانية نقول:
إن حماية الإنسان لا تتجزأ؛ فالإنسان الذي يفقد منزله بسبب الحرب، ثم يفقد الكهرباء والمياه والدواء بسبب تدمير المرافق الحيوية، يستحق أن تكون معاناته في صدارة الاهتمام الدولي.
ونطالب بتوثيق الأضرار التي تطال المدنيين، وإعداد تقارير مستقلة عن آثار تدمير البنية التحتية، وتحديد الاحتياجات الإنسانية والاقتصادية للمناطق المتضررة.
كما نطالب المنظمات الحقوقية الدولية بألا تكتفي برصد الانتهاكات التي تقع في ساحات القتال، بل أن تهتم أيضاً بالآثار التي تترتب على تدمير المرافق التي تقوم عليها حياة المجتمعات.
أما الحكومة السودانية، فنقول لها:
إن حق السودان لا ينبغي أن يظل حبيس المذكرات الدبلوماسية والبيانات الرسمية.
نريد تحركاً وطنياً شاملاً يبدأ من الداخل، وينطلق إلى الخارج، ويستند إلى الأدلة والوثائق، ويخاطب المؤسسات الدولية بلغة القانون والأرقام والحقوق.
نطالب بتشكيل فريق وطني دائم لمتابعة ملف الاعتداءات والتعويضات، وأن يكون له تفويض واضح بالتواصل مع المؤسسات الدولية، والاستعانة بالمحامين والخبراء الدوليين، وإعداد المطالبات القانونية، ومتابعة الإجراءات حتى بلوغ نتائج ملموسة.
كما نطالب الحكومة السودانية بالتمسك بحقها في المطالبة بالتعويض من أي جهة تثبت مسؤوليتها وفق القانون الدولي، وعدم الخلط بين المطالبة بالحقوق والدخول في مواجهة عسكرية جديدة.
إن التعويض ليس دعوة للانتقام، وإنما وسيلة قانونية لجبر الضرر وإعادة بناء ما دمرته الاعتداءات.
وإلى الحكومة الإثيوبية نقول:
إننا ننتظر موقفاً مسؤولاً يبدد المخاوف، ويجيب عن التساؤلات، ويقبل التحقيق المستقل في الاتهامات المطروحة.
فإذا ثبتت مسؤولية أي جهة إثيوبية عن اعتداءات على السودان، فإن مقتضيات القانون الدولي تفرض معالجة المسؤولية وجبر الأضرار وفقاً للقواعد القانونية ذات الصلة.
وإننا لا نريد أن تكون العلاقة بين البلدين رهينة التصعيد، ولا أن يتحول الخلاف السياسي إلى عداء بين شعبين تجمعهما الجغرافيا والتاريخ والمصالح.
يا مؤسسات العالم.. إن العدالة لا تُجزّأ!
لا يجوز أن تكون خسائر الدول الكبرى موضع اهتمام عاجل، بينما تصبح خسائر الشعوب المنهكة مجرد أرقام في تقارير لا يتبعها فعل.
ولا يجوز أن يصبح السودان استثناءً من قواعد القانون الدولي، أو أن يُطلب من شعبه أن يصمت عن حقوقه لأن ظروفه الداخلية صعبة.
إن السودان يطلب تحقيقاً مستقلاً، ومحاسبة عادلة، وتعويضاً منصفاً، وضمانات تمنع تكرار الاعتداءات.
وهذه ليست مطالب مستحيلة، بل حقوق ينبغي أن تجد طريقها إلى المؤسسات المختصة.
إننا نريد أن نرى يوماً تعود فيه محطات الكهرباء إلى العمل، وتنهض المصانع من عثرتها، وتعود المستشفيات لتقدم خدماتها دون انقطاع، ويعود المواطن السوداني إلى حياته آمناً مطمئناً.
نريد أن نعيد بناء ما دمرته الحرب، وأن نحفظ للأجيال القادمة وطناً لا تستباح مقدراته، ولا تضيع حقوقه في أروقة السياسة والمصالح.
فالسودان ليس رقماً في ميزانية الإغاثة، وليس قضية موسمية في جدول اجتماعات مجلس الأمن، وإنما وطن له تاريخ وسيادة وشعب يستحق الحياة والكرامة والعدالة.
ولن نسكت عن حقنا، ولن نتخلى عن أرضنا، ولن ننسى معروف الأشقاء، ولن نسمح أن تتحول أخوة الشعوب إلى غطاء للتجاوزات.
يتبع في الجزء الرابع: مجلس الأمن أم مجلس اللا أمن؟ أين ذهبت مسؤولية الأمم المتحدة والاتحاد الإفريقي والمنظمات الدولية؟ وهل أصبحت العدالة الدولية رهينة المصالح والنفوذ؟



