العودة إلى رحاب الكلمة… والرهان الآن على الوطن وحده

سلسلة مقالات :تشريح لحظة الوطن
(قراءات إستراتيجية)
المقال الأول :
بقلم دكتور . محمد عوض محمد متولي
المحلل والأكاديمي والخبير الاقتصادي المشارك
مركز الخبراء للدراسات الإنمائية وتحليل الأزمات
سبتمبر 2026م
______________
في لحظات الإنكسار الكبرى، لا يكون الصمت جبناً، ولا يكون التراجع هزيمة. أحياناً يكون الصمت هو أعلى درجات الفعل، وتكون العودة إلى الوراء خطوة استعداد للقفز إلى الأمام. وبعد غياب فرضته ضرورات الواقع وتعقيدات المشهد، أعود اليوم. لا لأكرر ما قيل، ولا لأضيف صوتاً إلى جوقة الضجيج، بل لأقدم محاولة لفهم ما يجري، ولفتح نوافذ للسؤال في زمن سدت فيه كل النوافذ.
السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح قاتل هو: إلى أين نمضي ويمضى السودان ؟ نحن نقف اليوم على أعتاب لحظة تاريخية لا تحتمل نصف المواقف ولا تجيز التردد. السودان لم يعد مجرد دولة تواجه أزمة، لقد صار مختبراً مفتوحاً لكل الاحتمالات. وفي هذا المختبر تبدلت وظائف الأشياء. فالكلمة التي كانت بالأمس معول هدم وتعبئة وتجييش، صارت اليوم ضرورة بناء. صارت اللبنة الأولى في مشروع إعادة التأسيس للوطن السودان الأم والأب والأخ والأخت والخال والخالة والعم العمة…. والتراب وكرامته. ومن هنا كان قراري باستئناف نكتب بدافع من مسؤولية تجاه لحظة الوطن لا يجوز فيها أن يصمت العقل.
عنوان الساعة، وهمها المركزي، وملفها الذي سيحسم مصير السنوات القادمة هو: “الحوار السوداني-السوداني المرتقب”. ولن أقاربه بمنطق الانحياز. لا يعنيني أن أزكي هذا الطرف أو أن أقدح في ذاك. ما يعنيني هو أن ننزع عن هذا المفهوم طبقات التجميل والتضليل، وأن نسأل بجرأة: ما هو هذا الحوار في جوهره؟ لماذا يطرح الآن وبقوة؟ من هم الفاعلون الحقيون الذين سيحددون نجاحه أو فشله؟ وما الذي ينبغي أن يكون حاضراً بقوة على طاولة النقاش، وما الذي ينبغي أن نلفظه ونرميه خارج الطاولة بلا رجعة؟
إن الحوار الذي ننشده ليس جلسة مصالحة عابرة، ولا هو لقاء التقاط صور. إنه إستحقاق وجودي للسودان فى الخارطة الجغرافية العالمية . إنه محاولة أخيرة لإعادة تعريف العقد الاجتماعي بين السودانيين. وبالتالي فإن أي حديث عنه يجب أن يبدأ من الأجندة: ما هي القضايا المصيرية التي لا يمكن تأجيلها؟ ثم ينتقل إلى الضمانات: من الذي يضمن أن ما نتفق عليه اليوم لن يتم نقضه غداً؟ ثم يغوص في المخاوف: ما هي الهواجس التي تمنع الأطراف من الجلوس بصدق؟ وأخيراً يستكشف الفرص: ما هي النافذة التاريخية التي يمكن أن ننفذ منها إلى مستقبل مختلف؟
أعلم أن كلمة “حوار” باتت تثير الريبة. عند البعض هي تذكير بالفشل، وعند البعض الآخر هي بارقة أمل. لكن الحقيقة التي لا تحتمل الجدل هي أن الوطن أوسع من أن يحتكر فصيل، وأكبر من أن يختزل في خطاب. السودان الوطن الواحد يتسع لنا جميعاً حين نقرر أن نحتكم إلى شيء واحد فقط: إلى مسؤوليتنا الجماعية تجاهه.
إن ما نحن بصدده ليس مقال رأي، بل هو مشروع تفكير. تفكير في مستقبل نصنعه نحن بأيدينا، لا بيد غيرنا. نصنعه بالحجة قبل البندقية، وبالعقل قبل الانفعال، وبالصبر الإستراتيجي قبل الحماسة اللحظية.
دعونا نكن صرحاء: الطريق طويل. والحوار أصعب ألف مرة من الحرب. الحرب تحتاج إلى قرار لحظة، أما الحوار فيحتاج إلى شجاعة الأيام. شجاعة أن تواجه خصمك كإنسان، وشجاعة أن تعترف بأنك لا تملك الحقيقة المطلقة، وشجاعة أن تنظر إلى ما بعد اليوم وإلى ما بعد غد. لكنني أؤمن، رغم كل الدمار، ورغم كل الخراب، بأننا قادرون. قادرون إذا ارتقت النوايا إلى مستوى التضحية، وإذا علا صوت الرشد فوق صخب الأهواء، وإذا أدركنا أن الوطن لا يحتمل مزيداً من التجارب الفاشلة.
هذه هي البداية. وهذه هي الزاوية التي سنكتب منها. زاوية لا تبحث عن بطولات، بل تبحث عن حلول.
“والله ولى ذلك وهو يهدى إلى سواء السبيل”



