السفير الفريق اول عماد الدين مصطفي عدوي… حين تتحدث الإنجازات ويصمت ضجيج الأقلام

رؤية وطنية…. نكتب للوطن ونفكر للمستقبل
=================
بقلم: أبوعبيدة أحمد علي
رئيس جمعية الأخوة السودانية السعودية =================
الحمد لله الذي جعل للإنجاز لساناً لا تكذبه الأقلام، وللعمل الصادق أثراً لا تمحوه العبارات، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد،
فإن للرجال مواقف تُعرَف بها معادنهم، ومراحل تُختبر فيها عزائمهم، وأياماً لا ينفع فيها الادعاء ولا تستر فيها الكلمات ما وراءها؛ إذ يصبح العمل وحده هو الشاهد، ويصبح التاريخ هو القاضي.
ومن هنا جاءت لفتة الوفاء التي شهدتها القاهرة بالأمس، حين قامت الحملة القومية الشعبية لدعم القوات المسلحة والمتأثرين بالحرب ومنظمتها للإغاثة والتنمية بتكريم السفير الفريق أول ركن مهندس عماد الدين مصطفى عدوي، سفير جمهورية السودان لدى جمهورية مصر العربية والمندوب الدائم للسودان لدى جامعة الدول العربية.
لم يكن التكريم، في جوهره، احتفاءً بشخص فحسب، وإنما كان قراءةً لمسيرة رجلٍ حمل أمانة الوطن في مواقع متعددة، وظل في كل موقع يحاول أن يجعل من المسؤولية فعلاً لا قولاً، ومن التكليف خدمةً لا وجاهة.
من صفوف القوات المسلحة إلى رحاب الدبلوماسية
بدأت مسيرة الفريق أول عماد الدين عدوي في القوات المسلحة السودانية، وكان من أوائل دفعته، ثم تدرج في مواقع القيادة حتى بلغ رئاسة هيئة الأركان، وهو من أرفع المناصب العسكرية في الدولة، كما تولى رئاسة أكاديمية نميري العسكرية العليا.
وهذه المحطات وحدها تكفي لتقول إن الرجل لم يدخل العمل العام من أبواب الصدفة، وإنما جاءته المسؤولية بعد مسيرة طويلة من التأهيل والخدمة والقيادة.
ثم انتقل من ميدان يحمل فيه القائد مسؤولية الرجال والسلاح إلى ميدان آخر يحمل فيه السفير مسؤولية وطن بأكمله؛ فجاء تكليفه سفيراً للسودان لدى جمهورية مصر العربية، ومندوباً دائماً لدى جامعة الدول العربية.
وهنا بدأت صفحة أخرى من الاختبار.
سفارة في قلب العاصفة
ليست سفارة السودان في القاهرة كسائر السفارات في الظروف العادية، فمصر أصبحت، منذ اندلاع الحرب، الملاذ الأقرب والأهم لملايين السودانيين الذين اضطرتهم ظروف الحرب إلى مغادرة ديارهم.
والسفارة التي كانت تتعامل مع جالية كبيرة قبل الحرب، وجدت نفسها أمام واقع استثنائي فرض عليها أن تتعامل مع أعداد هائلة من المواطنين، وملفات تتشعب من الجوازات والأوراق الثبوتية إلى العلاج والتعليم والشؤون القنصلية والعسكرية والثقافية، فضلاً عن الملفات السياسية والدبلوماسية.
والموقع الرسمي للسفارة نفسه يوضح اتساع منظومة الخدمات التي تقدمها للوجود السوداني في مصر، من الخدمات القنصلية والجوازات والسجل المدني إلى الملحقيتين الطبية والثقافية وغيرها.
فكيف تستطيع بعثة دبلوماسية أن تحمل كل هذه الأعباء في وقتٍ واحد؟
هنا تظهر قيمة القرار.
حين يصبح المكان جزءاً من كرامة المواطن
كان مقر السفارة القديم في الدقي محدود المساحة قياساً بحجم العمل والجمهور الذي أصبح يتوافد عليها، ولم يكن من المعقول أن يبقى المواطن السوداني واقفاً في الشمس ساعات طويلة من أجل معاملة أو جواز أو وثيقة.
فكان لا بد من التفكير خارج المألوف.
وكان من أبرز ما شهدته المرحلة نقل وتوسيع منافذ تقديم الخدمات، وإنشاء مقار ومراكز أكثر ملاءمة لاستقبال المواطنين.
وقد وثقت تقارير منشورة انتقال قسم الجوازات إلى مبنى جديد أوسع، مع تطوير آليات تنظيم الطوابير وشبكات البيانات، بما جعل بيئة الخدمة أكثر ملاءمة للمواطنين. كما شهد عام 2026 افتتاح مركز «ترابط ـ سودان» للخدمات القنصلية بالدقي ضمن خطة لتوسيع منافذ الخدمة وتيسير وصول السودانيين إليها.
وهنا لا أتحدث عن جدرانٍ انتقلت من مكان إلى مكان، وإنما عن فلسفة في إدارة الأزمة.
فالمقر الدبلوماسي ليس حجارةً وأبواباً؛ إنه صورة الدولة في عيون مواطنيها.
وحين يجد المواطن السوداني مكاناً يليق به، وخدمةً تحفظ كرامته، ومسؤولاً يسمع شكواه، فإن الدولة تكون قد حضرت في المكان حضوراً حقيقياً.
أرقام تتحدث
وفي مناسبة التكريم بالأمس، استُعرضت حصيلة كبيرة من أعمال السفارة خلال هذه المرحلة، من بينها ما ذُكر عن إنجاز القسم القنصلي لأكثر من تسعمائة ألف معاملة، إلى جانب أعمال الجوازات والسجل المدني، وما قدمته الملحقية الثقافية لعشرات الآلاف من الطلاب السودانيين الذين وجدوا في مصر مأوى تعليمياً آمناً في زمن الحرب.
كما استُعرضت أدوار الملحقية الطبية في خدمة المرضى والتأمين الصحي وتيسير بعض الملفات الطبية، وما قامت به الملحقية العسكرية من مهام، فضلاً عن النشاط الدبلوماسي والسياسي للسفارة والمندوبية الدائمة لدى جامعة الدول العربية.
واللافت أن المصادر المنشورة خلال هذه المرحلة تؤكد استمرار تطوير الخدمات وتحديثها، بما في ذلك الجواز الإلكتروني ووثائق السفر الاضطرارية، والتنسيق بين مكتب الجوازات والملحقيات المختلفة لخدمة المواطنين.
هذه الأرقام والأعمال ليست قصيدة مديح.
إنها ملفات عمل.
والملفات لا تُجادل.
جامعة الدول العربية… دبلوماسية بعقل القائد
ولم يكن حضور الفريق أول عدوي محصوراً في مبنى السفارة؛ فهو كذلك المندوب الدائم للسودان لدى جامعة الدول العربية، حيث حمل ملفات بلاده في واحدة من أهم المنابر العربية.
وهناك تلتقي الخبرة العسكرية بالدبلوماسية؛ فالقائد الذي تعلم في المؤسسة العسكرية أن لكل قرار ثمناً، وأن لكل موقف تبعات، يستطيع أن يوظف خبرته في خدمة بلاده حين ينتقل إلى ميدان السياسة والعلاقات الدولية.
وقد ظهر حضوره في ملفات التعاون العربي، وفي التواصل مع المؤسسات العربية والدولية، وفي الدفاع عن المصالح السودانية، وفي إدارة العلاقات المصرية السودانية في واحدة من أكثر مراحل السودان حساسية.
رجلٌ مفتوح الباب
ومن أجمل ما قيل في مناسبة التكريم، ذلك الإجماع على تواضع الرجل وأدبه وانفتاح مكتبه أمام الناس.
وهذه خصلة لا تُقاس بالبروتوكول.
فقد يكون المسؤول كبير المقام، ولكنه صغير الأثر إذا أغلق بابه عن الناس.
وقد يكون صاحب رتبة عالية، ولكنه يفقد قيمته حين يرى في المنصب امتيازاً شخصياً لا أمانة وطنية.
أما أن يكون الرجل في موقعه، ثم يظل مكتبه مفتوحاً للناس، فذلك وجه آخر من وجوه المسؤولية.
التاريخ لا تكتبه الأقلام وحدها
قد تختلف الأقلام حول الرجال.
وقد يكتب بعضهم بالمدح، ويكتب آخرون بالقدح.
وهذا من طبيعة الحياة.
لكن هناك شيئاً لا تستطيع الأقلام أن تفعل به شيئاً:
الإنجاز.
فالطابور الذي اختصر، والمعاملة التي أُنجزت، والجواز الذي سُلّم، والطالب الذي واصل تعليمه، والمريض الذي وجد طريقه إلى العلاج، والمواطن الذي وجد باباً مفتوحاً، والمقر الذي صار أرحب وأليق بالناس، والعلاقات التي حُفظت، والملفات التي أُديرت؛ كل ذلك يبقى شاهداً قائماً بذاته.
ولذلك فإن الإنصاف يقتضي أن نقول:
إن تقييم تجربة أي مسؤول لا ينبغي أن يكون رهين ما تكتبه الأقلام وحدها، وإنما بما تركه في أرض الواقع من أثر.
تحية لرجل حمل الأمانة
لقد جاء تكريم الفريق أول ركن مهندس عماد الدين مصطفى عدوي، كما شهدناه بالأمس، بصورة عفوية من مؤسسات اجتماعية مصرية وسودانية تعمل في مجالات الإغاثة والتنمية ومساعدة المتأثرين بالحرب وحقوق الإنسان.
وهذا في حد ذاته يحمل معنى عميقاً.
فحين يلتقي السوداني والمصري، والمؤسسة الاجتماعية، وممثل الحزب، وصاحب المبادرة، حول كلمة تقدير لرجلٍ خدم في مرحلة شديدة التعقيد، فإن الرسالة أكبر من شخص السفير.
إنها رسالة تقول إن العمل الصادق يجد من يشهد له، ولو بعد حين.
فله التحية، وهو يغادر مرحلة من مراحل خدمته، على ما بذل من جهد، وعلى ما حمل من مسؤولية، وعلى ما واجه من ظروف استثنائية.
وليس لنا أن نقول إن الرجل لم يخطئ، فالكمال لله وحده؛ ولكن لنا أن نقول إن التجربة تستحق أن تُقرأ بإنصاف، وأن تُوزن بما أنجزت، لا بما أراد البعض أن يحجبوه عن أعين الناس.
وسيأتي يومٌ تنظر فيه الأجيال إلى هذه المرحلة من تاريخ السودان، فتجد أن رجالاً حملوا الأمانة في أيامٍ ثقيلة، وأن من بينهم رجلاً اسمه عماد الدين مصطفى عدوي، خدم في المؤسسة العسكرية، ثم حمل رسالة السودان في القاهرة، ووجد نفسه أمام أكبر تحديات العمل الدبلوماسي والإنساني في زمن الحرب.
فإن كان للوفاء عنوان، فليكن اليوم:
شكراً، الفريق أول عماد الدين مصطفى عدوي.
وشكراً لكل يدٍ امتدت لتكرّم من ترى أنه أدى واجبه.
وشكراً لمصر التي احتضنت ملايين السودانيين في محنتهم.
أما السودان، فيبقى فوق الأشخاص جميعاً، وفوق المناصب جميعاً، وسيظل أبناؤه الأوفياء يتسابقون في خدمته، لأن الوطن لا يحتاج إلى الذين يتحدثون عنه فحسب، وإنما إلى الذين يحملون أمانته حين تثقل الأمانة.
وتلك هي الوطنية التي لا تحتاج إلى شاهدٍ سوى التاريخ.
والله من وراء القصد.



