الاقتصاد السوداني…. من الموت الإكلينكي إلى التعافي!!

رؤية وطنية… نكتب للوطن ونفكر للمستقبل
الجزء الأول
بقلم: أبوعبيدة أحمد علي عباس
ليس الاقتصاد السوداني اليوم بحاجة إلى مسكنات عابرة، ولا إلى وصفات تُكتب على عجل ثم تُترك على رفوف المكاتب؛ وإنما هو بحاجة إلى غرفة عمليات اقتصادية حقيقية، يجلس حول طاولتها أهل الاختصاص والخبرة والتجربة، فيشخّصون مواضع النزيف، ويحددون أسبابه، ثم يضعون للدولة وصفة علاج قابلة للتنفيذ والقياس والمراجعة.
وهنا تبرز الفكرة التي طرحها الأخ العزيز الدكتور إسماعيل الحكيم: إنقاذ الاقتصاد ليس مهمة الحكومة وحدها، بل مسؤولية وطنية يشترك فيها الاقتصاديون، والمصرفيون، ورجال الأعمال، وأهل الزراعة والصناعة والتجارة، وأساتذة الجامعات، وأصحاب التجارب العملية.
فالاقتصاد لا يُدار بالنيات الحسنة وحدها، كما أن قيمة العملة لا تستعيد عافيتها بالأمنيات؛ وإنما تسترد قوتها حين تستعيد الدولة إنتاجها، وتضبط إنفاقها، وتوسع مواردها، وتزيد صادراتها، وتقلل حاجتها إلى الاستيراد، وتعيد الثقة إلى السوق.
ولذلك فإن المطلوب إنشاء مجلس أو لجنة اقتصادية وطنية من أهل الاختصاص، تضم عباقرة الاقتصاد السوداني داخل البلاد وفي دول المهجر، وتستفيد من خبراتهم العلمية والعملية دون إقصاء أو تسييس. تكون مهمة هذه اللجنة تشخيص أسباب التضخم، واختلال سعر الصرف، وشح النقد الأجنبي، وعجز الإنتاج، وتراجع الصادرات، واختناقات التمويل، ثم تقدم برنامجاً مرحلياً واضحاً: ما الذي يجب فعله خلال مائة يوم؟ وما الذي يُنجز خلال عام؟ وما الذي يحتاج إلى ثلاث سنوات؟
وينبغي أن تفتح الدولة باب الدعوة العامة للخبراء السودانيين في الجامعات والمصارف والمؤسسات الدولية والقطاع الخاص، لتقديم مقترحات مكتوبة وقابلة للتنفيذ، ثم تُناقش هذه المقترحات في مؤتمر اقتصادي وطني، وتُحوَّل التوصيات المعتمدة إلى سياسات معلنة، بجهات مسؤولة ومواعيد محددة ومؤشرات قياس واضحة.
ولا يكتمل أي برنامج للإنقاذ الاقتصادي ما لم يتزامن مع سد منافذ تهريب الموارد الوطنية، وفي مقدمتها الذهب والصمغ العربي والثروة الحيوانية. فتهريب الذهب يحرم الدولة من النقد الأجنبي والإيرادات، وتهريب الصمغ العربي يبدد فرصة السودان في بناء صناعة تحويلية ذات قيمة مضافة، بينما يؤدي تهريب الماشية إلى إضعاف المنتجين وفقدان الدولة عوائد مهمة من الصادرات.
ويتطلب ذلك إنشاء منظومة شفافة لتسجيل الإنتاج والتجارة والتصدير، وتبسيط الإجراءات الرسمية، وتوفير أسعار مجزية للمنتجين، وتشديد الرقابة على المنافذ الحدودية، وتطوير أجهزة الجمارك والمواصفات، وربط حركة السلع والذهب بنظم إلكترونية قابلة للتتبع، مع تطبيق القانون على المهربين والمتواطئين دون استثناء.
كما ينبغي مراجعة سياسة تصدير الثروة الحيوانية، ولا سيما تصدير الإناث والحيوانات حية، بما يحافظ على القطيع الوطني ويمنع استنزاف أصول الإنتاج. فالأصل هو إعطاء الأولوية لتصدير اللحوم المذبوحة والمبردة والمصنّعة، بعد تطوير المسالخ والمحاجر البيطرية وسلاسل التبريد، ووضع ضوابط صارمة على تصدير الإناث والأصول الوراثية، بحيث لا يُسمح بالتصدير إلا وفق احتياجات مدروسة تحمي التوازن بين عوائد الصادر واستدامة الثروة الحيوانية.
والدرس الذي تقدمه التجربة البرازيلية جدير بالتأمل، لا بالتقليد الحرفي. فقد واجهت البرازيل تضخماً هائلاً، ثم جاءت «الخطة الحقيقية» عام 1994 ضمن حزمة أوسع من الإصلاحات النقدية والمالية، فهبط التضخم بصورة حادة. لكن التجربة أظهرت أيضاً أن استقرار الأسعار وحده لا يكفي، وأن الاستدامة تحتاج إلى انضباط مالي وإصلاحات هيكلية ومرونة في سعر الصرف.



