مقالات الظهيرة

الأبيض والجنيه: جبهة واحدة في حرب السيادة الشاملة…. كيف تتحول الشائعة من بندقية صوت إلى صاروخ اقتصادي يستهدف الدولة من الداخل(1-2) 

الدكتور /محمد عوض محمد متولي

المحلل والاكاديمى والخبير الاقتصادي المشارك بمركز الخبراء للدراسات الإنمائية وتحليل الأزمات

ليست مصادفة بحال من الأحوال أن تتقاطع موجات الشائعات التي تستهدف مدينة الأبيض مع الموجات التي تستهدف الجنيه السوداني في ذات الإطار الزمني وبدقة حسابية تثير الانتباه. ففي الأسبوع الثالث من مايو 2026م، ومع تصاعد القصف الإعلامي المنظم الذي تحدث عن انقطاع الطريق الغربي للأبيض وانهيار الخدمات داخل المدينة.

سجل السوق الموازي للعملات قفزة سعرية بلغت 18.3% خلال 72 ساعة فقط، ليرتفع سعر الدولار من 1680 جنيهاً إلى 1987 جنيهاً، في حين ظل السعر الرسمي عند 1447 جنيهاً، أي بفجوة بلغت 540 جنيهاً للدولار الواحد. وعندما هدأت حدة الشائعات عن المدينة في الأسبوع الأول من يونيو، تراجع السعر الموازي بمقدار 11.6%، ليعود إلى 1755 جنيهاً، وهو ما يؤكد وجود علاقة سببية مباشرة لا علاقة ترافق عابرة.

 

إن جوهر هذه العلاقة يقوم على حقيقة استراتيجية واحدة: إن القوى التي عجزت عن كسر إرادة السودانيين في الميدان العسكري، انتقلت إلى كسر إرادتهم في الميدان النقدي والنفسي.

فالأبيض التي تبلغ مساحتها العمرانية نحو 108 كيلومتراً مربعاً وتضم ما يزيد على 500 ألف نسمة وفق تقديرات 2024م، لم تكن يوماً مجرد نقطة على الخريطة، بل كانت دوماً معادلة معنوية. هي المدينة التي صمدت في وجه حصار المهدية، وصمدت في وجه سياسات التهميش المركزية، وصمدت في وجه الحروب الأهلية المتعاقبة.

ولذلك فإن إسقاطها إعلامياً يعادل في الأثر النفسي إسقاط ثلاثة ولايات مجتمعة. الشائعة هنا تعمل بمنطق القذيفة المعنوية: تضخم حادثة انقطاع ماء لمدة 48 ساعة لتقدمها على أنها انهيار دولة، وتضخم حادثة نهب فردية لتقول إن المدينة خرجت عن السيطرة، وتضخم نزوح 120 أسرة لتقدمه على أنه تهجير جماعي.

والنتيجة الاقتصادية لهذا التضخيم ليست معنوية فقط، بل هي نقدية بامتياز. فخلال أسبوعين من ذروة الشائعات في مايو الماضي، انخفضت أسعار العقارات السكنية في أحياء المطار والقادسية بنسبة 38%، وتوقفت حركة 140 شاحنة تجارية كانت تدخل المدينة أسبوعياً من بورتسودان وكوستي، وهرب رأس مال محلي يقدره تجار السوق بنحو 27 مليون دولار إلى مدن أخرى. وهكذا تتحول الكلمة المكتوبة في منصة رقمية إلى حصار اقتصادي بلا جندي واحد.

 

وفي الجبهة الثانية من المعركة، وهي جبهة الجنيه، تتكرر ذات الآلية ولكن بأدوات نقدية. ففي اللحظة التي تُطلق فيها شائعة “انسحاب تكتيكي من حي المطار” يظهر في تطبيقات تلغرام عرض بيع دولار بسعر أعلى 17% من اليوم السابق، وتظهر شائعة مفبركة عن طباعة 4 تريليون جنيه دون غطاء نقدي.

وفي اللحظة التي يُقال فيها إن المدينة تعيش حصاراً غذائياً يرتفع سعر جوال السكر زنة 50 كيلو من 62 ألف جنيه إلى 89 ألف جنيه، أي بنسبة 43.5%، ويرتفع سعر جوال الدقيق من 41 ألفاً إلى 58 ألفاً، أي بنسبة 41.4%.

هذه الزيادات لا تنتج عن نقص حقي في المعروض، فمخازن بورتسودان كانت ممتلئة، والطريق لم يُقطع فعلياً لأكثر من 9 ساعات، ولكنها تنتج عن انهيار الثقة الذي تصنعه الشائعة.

وهنا تظهر المعادلة السيادية التي غابت عن كثير من التحليلات: الدولة القوية تقوم على ركيزتين متلازمتين لا تنفكان، هما الأمن والاقتصاد. ومن أراد إسقاط الأولى ذهب مباشرة إلى الثانية، لأن الجنيه اليوم هو السور الثاني للأبيض. إذا انهار الجنيه خرجت ربة البيت من السوق غاضبة، فصدقت أن الحكومة لا تطعم أهلها، فصدقت الشائعة التالية، وهكذا تكتمل دائرة الحصار.

 

إن قراءة الأرقام تكشف حجم الخطر. فبحسب بيانات مركز الخبراء للدراسات الإنمائية وتحليل الأزمات، بلغ متوسط التداول اليومي في السوق الموازي للعملة خلال الأيام العادية 19.2 مليون دولار، في حين ارتفع هذا المتوسط إلى 47.1 مليون دولار في أيام ذروة الشائعات ضد الأبيض والجنيه معاً.

أي أن الشائعة وحدها استدعت 27.9 مليون دولار إضافية يومياً إلى الظل الاقتصادي، وهو رقم يساوي فاتورة استيراد القمح السوداني لمدة 23 يوماً. وفي ذات الفترة ارتفعت كميات الذهب المهرب عبر المنافذ الغربية بنسبة 23.4%، لأن الذهب هو العملة البديلة التي يشتريها المواطن عندما تنهار ثقته في الجنيه. فالشائعة ضد المدينة هي في جوهرها حملة تسويقية لبيع الجنيه وشراء الذهب والدولار.

 

ولا يمكن فهم هذه الحرب بمعزل عن بنية الاقتصاد السوداني الهشة. فالسودان يستورد نحو 83% من احتياجاته الغذائية الأساسية بالدولار، وينتج أقل من 11% من ذهبه عبر القنوات الرسمية، ويعتمد على تحويلات مغتربيه التي تبلغ 1.6 مليار دولار سنوياً، لا يصل منها عبر البنوك إلا 340 مليون دولار فقط، أي بنسبة 21.2%.

هذه الفجوة البالغة 1.26 مليار دولار هي الوقود الحقي للسوق السوداء، وهي ذاتها التي تمول حملات الشائعات وتضخمها. فالمضارب لا يضارب على الدولار لأنه يحب الدولار، بل لأنه يعلم أن كل جنيه يخسره المواطن هو جنيه ربح له، وكل شائعة يصدقها المواطن هي شائعة ترفع هامش ربحه.

 

إن المقاتل الذي يحمل بندقية في تخوم الأبيض يحتاج إلى سعر ثابت للدقيق حتى لا تخرج أسرته من السوق غاضبة على الدولة، والمزارع الذي يحرث 40 فداناً في ريفي شيكان يحتاج إلى سعر جازولين مستقر حتى لا يبيع محصوله بخسارة، والتاجر الشريف الذي يستورد أدوية يحتاج إلى نافذة مصرفية مستقرة حتى لا يلجأ إلى السوق الموازي.

هؤلاء جميعاً هم خط الدفاع الأول عن الجنيه، كما أن المقاتلين هم خط الدفاع الأول عن الأرض. ومن هنا فإن معركة الكرامة اليوم هي معركة إنتاج ووعي وثقة قبل أن تكون معركة عتاد. فمن يضارب على الدولار وهو يعلم أنه يمول حملة شائعات ضد مدينته هو شريك موضوعي في الحصار، وإن رفع شعار الوطنية.

 

إن التجربة السودانية أثبتت أن الشائعة لا تنتصر إلا في فراغ الثقة، وأن الجنيه لا ينهار إلا في فراغ الإنتاج. ولذلك فإن صمود الأبيض لم يكن صدفة، بل كان نتيجة ذاكرة مقاومة راكمتها المدينة عبر قرن ونصف. والجنيه قادر على استعادة ذات الصمود إذا اكتسب ذاكرة سيادية جديدة تُكتب بثلاثة أفعال متزامنة: السيطرة الكاملة على الذهب السوداني ومنع تهريب 89% منه، وتوجيه موارد الدولة نحو زيادة الإنتاج الزراعي والصناعي والحيواني بما يخفض فاتورة الاستيراد، وتجفيف منابع السوق السوداء عبر رقمنة الصرف ومكافحة المضاربة.

 

إن الذين فشلوا في إسقاط السودان بالسلاح يحاولون اليوم إسقاطه بالشائعة، لكن كما صمدت الأبيض في وجه الحصار والكذب والتضخيم، فإن الجنيه السوداني قادر على استعادة عافيته إذا توفرت الإرادة السياسية التي تربط الأمن بالإنتاج، والرؤية الاقتصادية التي تربط الجنيه بالذهب، والتكاتف الشعبي الذي يتعامل مع العملة الوطنية باعتبارها قضية سيادة لا مجرد ورقة نقدية. فالأبيض رمز لصمود الأرض.

والجنيه رمز لصمود الاقتصاد، والدفاع عنهما معاً هو دفاع عن سيادة الوطن وكرامته ومستقبله، وهو الدفاع الذي يبدأ من البئر وينتهي بالبنك، ومن الحقل وينتهي بالاحتياطي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى