(أذان صاغية) أوروبا وازدواجية المعايير.. حين تتراجع شعارات حرية التعبير أمام غضب الشارع!!

بقلم/ د. عامر ابراهيم محمد
باحث في القانون الدولي الإنساني
ظلت أوروبا، لعقود طويلة، تقدم نفسها بوصفها نموذجاً للديمقراطية واحترام حقوق الإنسان والحريات العامة، وجعلت من حرية التعبير وحق التظاهر السلمي معياراً تحاكم به أنظمة ودولاً أخرى، وتوجه إليها الانتقادات عندما تمنع الاحتجاجات أو تستخدم القوة لتفريق المتظاهرين.
غير أن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو: ماذا يحدث عندما تتحول شوارع بعض العواصم الأوروبية نفسها إلى ساحات احتجاج على غلاء المعيشة وارتفاع الأسعار وتراجع القدرة الشرائية؟ وهل تظل الشعارات ذاتها حاضرة عندما يصبح المتظاهرون في مواجهة السلطات الأوروبية؟
حين تعود الشعارات إلى أصحابها
إن ارتفاع تكاليف المعيشة والضغوط الاقتصادية التي تواجه قطاعات من المواطنين في عدد من الدول الأوروبية يدفعان إلى الاحتجاج والمطالبة بتغيير السياسات الاقتصادية وتحسين الظروف المعيشية. وهذه المطالب، مهما اختلفت طبيعتها، تستوجب الاستماع والحوار والمعالجة، لا التعامل معها باعتبارها تهديداً لمجرد أنها تضع الحكومات تحت ضغط الشارع.
لكن المشهد يصبح أكثر إثارة للتساؤل عندما تُستخدم إجراءات أمنية مشددة، أو تُسجل حالات من القوة المفرطة في مواجهة المحتجين. وهنا تبرز المفارقة: كيف يمكن لمن يطالب الآخرين باحترام حق التظاهر أن يقبل في الداخل ممارسات تتعارض مع المبادئ نفسها التي يدافع عنها في الخارج؟
إن جوهر القضية ليس إنكار حق الدولة في حفظ الأمن أو مواجهة أعمال العنف والتخريب، وإنما التأكيد أن هذا الحق مقيد بالقانون، وأن التعامل مع الاحتجاجات يجب أن يميز بين المتظاهر السلمي ومن يرتكب أعمالاً إجرامية. فحماية الممتلكات والأرواح لا تبرر الاعتداء على الحريات، كما أن حرية التعبير لا تمنح أحداً الحق في النهب أو التخريب.
السقوط الأخلاقي.. ازدواجية المعايير
إن السقوط الأخلاقي المقصود هنا ليس في مجرد مواجهة الشرطة للاحتجاجات، ولا في تطبيق القانون على من يرتكب جرائم، بل في ازدواجية المعايير، حين يصبح احترام الحريات مطلباً موجهاً إلى الآخرين، بينما يجري التضييق عليها عندما يمارسها المواطن في الداخل.
فإذا كانت حرية التعبير حقاً إنسانياً أصيلاً، فلا ينبغي أن تتغير قيمتها بتغير هوية الدولة أو موقف المتظاهر أو طبيعة المطالب التي يرفعها. وإذا كان منع التظاهر السلمي في دولة أخرى موضع إدانة، فإن أي انتهاك مماثل في دولة أوروبية يجب أن يخضع للمعايير نفسها من النقد والمساءلة.
ومن هنا، فإن مصداقية الخطاب الأوروبي بشأن حقوق الإنسان لا تُقاس بالبيانات السياسية أو الانتقادات الموجهة إلى الخارج وحدها، بل بمدى الالتزام الفعلي بهذه الحقوق داخل الحدود الأوروبية. فالمبادئ التي لا تُطبق على الجميع تفقد جانباً مهماً من مصداقيتها، والقيم التي تتحول إلى أدوات للضغط السياسي بدلاً من أن تكون معايير ثابتة تثير تساؤلات مشروعة حول الغايات الحقيقية من توظيفها.
بين غلاء المعيشة وقمع الاحتجاجات
إن معالجة الغضب الشعبي لا تكون بالقوة وحدها، لأن الأزمات الاقتصادية لا تختفي بتفريق المتظاهرين، ولا تتراجع الأسعار بمجرد إعادة الهدوء إلى الشوارع. بل إن تجاهل المطالب المعيشية، أو التعامل معها بعنف غير متناسب، قد يؤدي إلى تعميق أزمة الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة.
وفي المقابل، فإن أعمال النهب والسلب والتخريب تظل جرائم لا يمكن تبريرها بالضائقة الاقتصادية، ويجب التعامل معها وفق القانون. والعدالة الحقيقية تقتضي حماية المتظاهر السلمي من التعسف، وحماية المواطن والتاجر وممتلكاته من الاعتداء، ومحاسبة كل من يتجاوز القانون، سواء أكان من المشاركين في الاحتجاجات أم من المسؤولين عن إنفاذ القانون.
المعيار واحد.. في أوروبا وخارجها
إن الرسالة التي ينبغي أن تصل إلى الحكومات الأوروبية هي أن احترام حقوق الإنسان لا يجوز أن يكون سياسة انتقائية؛ فلا معنى للدفاع عن حرية التظاهر في الخارج مع التغاضي عن انتهاكها في الداخل، كما لا معنى لإدانة القمع في دولة أخرى وتبرير أي تجاوز محلي لمجرد أن مرتكبيه ينتمون إلى مؤسسات دولة ترفع شعارات الديمقراطية.
ولا يعني ذلك أن جميع الدول الأوروبية تتبع سياسة واحدة، أو أن كل تدخل أمني يمثل قمعاً، بل إن الحكم العادل يقتضي فحص كل واقعة وفق أدلتها وظروفها ومدى التزام السلطات بمبادئ الضرورة والتناسب والمساءلة.
كلمة أخيرة
إن أوروبا، التي جعلت من حرية التعبير وحقوق الإنسان جزءاً أساسياً من خطابها السياسي، مطالبة بأن تجعل من هذه المبادئ ممارسة ثابتة لا شعاراً يتغير بتغير المكان والظروف. فالمعيار الأخلاقي الحقيقي هو أن تدافع الدولة عن الحق نفسه، سواء مارسه مواطنوها أم طالب به مواطنو دولة أخرى.
إن السقوط الأخلاقي يبدأ عندما نطالب الآخرين بما لا نلتزم به، وندين في الخارج ما نقبله في الداخل. أما استعادة المصداقية، فلا تكون بالشعارات، وإنما بالعدل، واحترام كرامة الإنسان، وضمان حقه في التعبير السلمي، ومحاسبة كل من يتجاوز القانون دون تمييز.



