ياسر محمد محمود البشر يكتب في (شوكة حوت)… الخـــــرطــوم… إنكسار المآذن وأنين المساجد!!
*أشد ما احزننى فيما جرى بالخرطوم هو الدمار الذى طال بيوت الله بالخرطوم ولم تسلم المنابر وأصبحت المساجد عبارة عن خرابات تئن فى صمت مما لحق بها وأصبحت مآذنها فى حالة إنكسار وقد مررت على بعض مساجد الخرطوم خلال الأيام الماضية ومنها على سبيل المثال مسجد النيلين والجامع الكبير وارباب العقائد ومسجد الشهيد ومسجد محمود شريف ومسجد الجامعة والقوات المسلحة ومسجد أم درمان الكبير ومسجد البرلمان ومسجد القصر.
ومن المؤكد أن هناك عشرات المئات من المساجد تعرضت لذات الخراب ولم يصبح الآذان آذان فى منارتها وتتوق الآذان لسماع آذانها ولم تصدق عنياى ما شاهدته لكنها الحقيقة المرة والواقع المؤلم والثمرة الطبيعية لثمرات الحرب وعندما تخرج الطلقة من فوهة المدفع لا تفرق بين الكنيسة والمسجد أو بين الشجر والبشر والحروب والمعارك الثابت فيها الخراب والدمار*.
*لم تكن المآذن فى الخرطوم مجرد معالم معمارية تشق عنان السماء بل كانت بوصلة الروح لسكان العاصمة ومع استمرار النزاع بالعاصمة قبل تحريرها من دنس المليشيا تحول مشهد المدينة من منارات تشع نوراً إلى أطلال تحكى قصة وجع عميق وجع لا يداويه ترميم الحجر بل يدمى قلب الهوية السودانية وعندما يصمت صوت النيلين تعد قصته الأكثر إيلاماً هذا الصرح الذى تزاوجت فيه عبقرية التصميم بجمال الموقع عند ملتقى النيلين بات اليوم شاهداً على قسوة الحرب ولم تكن القذائف التى طالت قبابه مجرد معدن صلب بل كانت طعنات فى خاصرة الذاكرة الجمعية للسودانيين الذين ارتبطت حياتهم بهذا المسجد فى الأفراح والأتراح ولم يكن حال مسجد الشهيد بأفضل فالمكان الذي كان يضج بالحياة والخطب الرصينة بات صامتاً إلا من عويل الرياح بين فجوات الرصاص وكذلك مسجد جامعة الخرطوم منارة العلم والعبادة الذى تخرجت من بين جنباته أجيال أضحى اليوم ساحة مهجورة تعلوها آثار الحريق*
*قائمة الفقد والوجعٌ تمتد من البرلمان إلى القيادة العامة ولم تسلم المساجد ذات الرمزية السياسية والتاريخية من آلة الدمار ومسجد القيادة العامة الذى شهد أحلك الظروف وأكثرها حساسية في تاريخ السودان الحديث تحول إلى ركام وكذلك مسجد البرلمان حيث كانت تُرفع الدعوات بصلاح حال البلاد بات اليوم معطلاً ومحطماً ومئات بل قل آلاف من مساجد الأحياء وهى الخسارة الأكبر غير المنظورة مساجد كافورى والمجاهدين والمعمورة ومساجد أم درمان القديمة التي كانت تمثل الديوان الكبير لكل حى يمكن القول أن استهداف المساجد يتجاوز فكرة الخطأ الحربى إنه تدمير للمجال العام الذي يجمع السودانيين فالمسجد في الخرطوم ليس مكاناً للصلاة فحسب بل هو مركز اجتماعى لحل النزاعات وعقد القران وتوزيع الصدقات ومعالم تاريخية تجسد تطور العمارة الإسلامية السودانية وتمثل الملاذ الأخير للهاربين من ضجيج الحياة والآن أصبح هو نفسه بحاجة إلى ملاذ*
*كل مئذنة سقطت في الخرطوم سقط معها جزء من وقار المدينة وتاريخها إن وجع المآذن فى الخرطوم هو انعكاس لوجع الإنسان السودانى فرغم الركام والدخان يظل الأمل معقوداً على تلك اللحظة التى سيعود فيها صوت الأذان ليرفع من فوق الأنقاض معلناً ليس فقط وقت الصلاة بل وقت السلام والترميم*
نــــــــــــــــص شــــــــــــوكة
*الحجر قد يُهدم لكن قدسية المكان في وجدان الناس تظل عصية على الانكسار ستبقى مساجد الخرطوم حتى وهي جريحة شاهدة على صمود هذه المدينة فى وجه العاصفة*
ربـــــــــــــــع شــــــــــــوكة
*لن يطول إنكسار المآذن ولن يستمر أنين المنابر وستعود المساجد كما كانت وقريبا جدا*.
yassir. mahmoud71@gmail.com



